Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

للشهيد حكاية .. القاضي الصغير .. الشهيد محمد هاشم عبد العال الربيعي

بقلم/ محمد الفاضل الساعدي

ربما هنالك أسباب متعددة، تتحدّد على وفق ظروف اجتماعية مختلفة، تساهم في صنع العلاقات الإنسانية .. وتربط أواصر الناس بعضها ببعض، لكن ما يجعل جسور المودة فيها، متينة وقوية، هو صدق المشاعر المتبادلة، وغياب المصلحة الدنيوية الآنية، وان كانت هي جزءاً بسيطاً يصلح كضرورة أحيانا، لاجتماع الأنفس المتآلفة .. لكن ما أفهمه، وأومن به، انه لا توجد رابطة متأصلة ومتجذرة ومتينة، استطاعت أن تكسر كل أقفال الحواجز، المبنية بصلابة، وتخترق قلوب وعقول أصحابها، وتكشف أرقام مفاتيح الدخول، إلى أسرارهم مثل الصداقة ..
الصداقة .. شيء جميل كوّنته مجموعة من المشاعر والأفكار والروابط المشتركة بين اثنين أو أكثر … منح أواصر القلوب أخوة مكتسبة، صنعتها ظروف الزمان أو المكان، بعضها يكاد أن يكون أقوى .. وأشد قرباً من أخوة الدم ، فالصديق الفعلي هو أخوك الذي لم تلده أمك ..
صداقة الروح .. نهر يتدفق ماؤه العذب، بين أحاسيس النفس وشرايين الدم النابض، ليكتب فوق سطور الحياة، بلونه الأحمر الدافق، أروع أحاديث المحبة والبهجة والسعادة ..
الصداقة .. عنوان كبير، في كتاب الوجود، فما بالك إذا كتبت بنود التعارف بين مريديه، بحبر الأيمان بالله، واجتمعت معاني الصدق فيه على حبه تعالى ورضاه.. الصديق المخلص.. شخص لا يمكننا أن نعوّضه، إذا غاب عنا في رحلة سفر قصيرة، فكيف اذا غسلنا جسده الحاني، بدموع الفراق، وكفّناه بأجمل الذكريات و وسّدناه بين ذرى الرمل وحبيبات التراب، وحفرنا بآهات مريرة على جدران قبره الشاخص، أقسى وأمرُّ كلمات الشوق والفراق. نعم … لا يعرف حرقة الفراق الحقيقي، إلا من اكتوى وتصدّع فؤاده برحيل صديق عزيز، ورفيق درب لا يعوض.. هناك في زاوية بعيدة عن الآخرين، كان يفرش مصلّاه، و وجه يضيء بنور التعبد، بابتسامة بريئة ، لا تفارق شفاهه طوال معرفتي له، ابتسامة شاءت الإرادة الإلهية، أن لا تغيب لحظة من الزمن، لوحة وجهه الجميل الوضاء … لحظات فضول، كتبتها أنامل القدرة ، سرقت ناظري لأبصر إلى تسامي النفس واعتلائها صهوة السكون والطمأنينة .. وهي تغازل بتسبيحها واستغفارها، مقام المعشوق .. لتخط بحبر صافٍ، جذبات الود، ومشاعر التعارف الأولى، التي جمعتني أنا وصديق روحي محمد، لتلوّن بألوانها الزاهية لوحة الصداقة الأبدية ..
شاءت إرادة الله، أن يكون التعارف بيننا على مائدة ذكره (سبحانه وتعالى) حيث جلست مع مجموعة من الأخوة الحراسات في احدى مؤسسات العمل المدني، وقد تخللت حديثنا أمور متعلقة بالعقائد الإسلامية الناصعة، وإدراك معرفة الله .. في ذلك الأثناء كان محمد يختتم صلاته بتسبيح ملائكي، محدقاً نحونا وقد شاقه حديثنا، فاتجه نحو مجلسنا للتحية، وهو يبتسم، ويتمتم، بشفاه هادئة، كلمات ذكر رباني، خالطت لحظاتها، أصوات ومزاح رفاقه الذين كانوا يطلقون عليه في حديثهم (المُلا) ..
قال أحد رفاقه مازحاً: «غريب أتممتَ صلاتك، بوقت قصير اليوم، فأنت بالعادة لا تشبع أبداً منها».
وأردف الآخر وهو يضحك: «الشيخ موجود فرصة للمُلا حتى يفتح آوياه، باب النقاش بالدين»..
جلس محمد وهو يبادل حديث أخوته، بابتسامة رائعة، وصمت مملوء، بأحلى شهد الحديث .. عقب ذلك، انسدل عن منافذ شفاهه ، ستار الصمت، ولاحت من أساريره الخجولة، شمس الأفكار الجامحة، وبدأت تتلاحق أشجار المودة، بيننا وتتلاقى الرؤى، وتجتمع الأفكار، والمشاعر الأخوية، لتكتب ذكرى أول لقاء.. لمشروع صداقة، رصين الأساس، وقويم الأهداف والمبادئ .
كان (المُلا) شاباً بسيطاً، وطيباً جداً، وعاشقاً للدين والعبادة، وطالما كان يذكر في أحاديثه الشيقة، العالم العرفاني، السيد القاضي (رضوان الله تعالى عليه)، ولذا كنت دائما أناديه، بالقاضي الصغير، مرّت الأيام.. مرور السحاب، وتكررت اللقاءات، مرات تلو مرات، وازداد تعلقه برفقتنا كثيراً، إلى درجة أصبح لقاؤنا فرصة له ليريح أعماقه المحمّلة بمتاعب الحياة، من المواجع والآهات، وتشابك الظروف الصعبة حول حياته، خصوصاً فقده والده، بعد مدة قصيرة لتعارفنا، برغم انه كان شجاعا، وقف أمام اكدارها صلباً ، متأملاً فرجاً من المولى قريب.
بعد نوم عميق .. استيقظ محمد، وهو يشعر بسرور، يتدفق في أنحاء جسده، قابله بصمت، ترتسم فيه أفكار مختلفة، تتجلى صورها في ذهنه، وهو يحاول أن يعي جمال الرؤيا، وزمان سطوع شمسها في واقع الحياة الدنيا..
جلس محمد بين أفراد عائلته، وبابتسامته المشرقة، ملأ المكان حوله، نوراً وبهجة، وقال: سأنال شرف الشهادة بعد عشرين يوما، مغرداً بحديثه وسط صمت الحاضرين وذهولهم: لقد رأيت السيد الولي الإمام الخامنئي، في الرؤيا، وقال لي: هذا مكانك في روضة الجنان، وسألته عن والدي فقال تجده أمامك ..
طالما كنا إنا وصديقي محمد، نسير مسافات طوال، ونتحدّث دون أن يشعر أحدنا بالملل أو التعب .. وفي كل مرة نلتقي.. حين الوداع.. كان ينظر نحوي، وعيونه تحكي، مليون حكاية وحكاية، ويسألني بإلحاح متى يحين وقت الفرج ؟ فأجيبه بهدوء وابتسامة صغيرة، تحلَّ بالصبر يا صديقي، لم يحن الوقت الآن.
وفي آخر لقاء جمعنا سألني كعادته.. بألم، متى الفرج بالله عليك، فأجبته بعفوية، خطها القدر على لساني، الفرج سيكون قريباً أن شاء الله.
نعم يا صديقي.. قد آن .. أن ترى روحك الحنونة الطيبة، ساعة الفرج، بعد صبر وجهاد، ويحتضن جسدك الطاهر، تراب الرحمة بعد أن اغتسل بدماء الأيمان بالله والتوكل عليه .. لكنّك تركت وراءك قلوباً موجوعة تتنفس ذكراك وتتأمل، أن تحين ساعة الفرج، لأرواحها المعذبة، بسعير الفراق لتلقاك ..
فزت يا صاحبي، فهنيئاً لك، ولبست ثوب عرسك، الذي كنت تسعى وتجهد، لا تتمنّى فحسب، لتناله، وزفتك ملائكة الرحمة، وهللت لمقدمك، حور العين .. فنم قرير العين يا صاحبي .. فغداً نلتقي عند مليك مقتدر .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.