Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

السلطان «أبو السعادات» وبناء المسجد الحرام

د. محمد فتحي عبد العال ـ مصر

عادة ما يكون لدى الطغاة هواية عالقة بنفوسهم هي التلذذ بالتعذيب والقتل، وسلطاننا اليوم هو ما يمكن ان نصفه بأيقونة العصر المملوكي او الخلاصة التي يمكن أن نختتم بها أجزاء قصتنا مع هذا العهد المظلم من التاريخ المصري، فقد كان يقتل ويقطّع ويسلخ من المصريين من شاء وعلى مرأى ومسمع من الناس، فقد كان يمارس هوايته في القتل دون هوادة وبفظاظة وقلب بارد في الطرقات مع من يلقيه حظه العاثر في طريقه.
إن سلطاننا اليوم هو أبو السعادات او الناصر محمد بن الأشرف قايتباي. كثيرون من مؤرخي عصره يلتمسون له العذر نظراً لنشأته المنغلقة وطبيعة والده القاسية في تنشأته. فأبو السعادات الذي ولد في رحاب النيل لم يرَ النيل إلّا مرة واحدة طوال حياة أبيه، وكان ذلك بوساطة الأمير ازبك الذي تنسب إليه الازبكية، إذ استضاف الابن وكانت المرة الاولى التي يرى فيها النيل، إذ كان والده الأشرف قايتباي حَبَسَه دائماً في القلعة كما كان يعاقبه دوما بالأكل مع الخدم وارتداء الثياب البالية، ولا أجد سببا وجيها لهذه العلاقة المريضة بين أب وابنه. كما إني لا أجد أيضا في هذه القسوة مبررا لتحول الابن الى دراكولا عاشقا للدماء فيما بعد!
كان قايتباي الأب على فراش الموت يحاول إثناء مماليكه عن تولية ابنه، ولكن دون جدوى، فقد كانت مصالح مماليكه في استمرار عهده «الميمون» على يد ابنه المخبول، فقد كان كل سلطان مملوكي يحيط نفسه بطاقم منتقى بعناية من الأمراء الفاسدين يكونون طوع أمره، وفي هذه العصور البهية عرف المصريون قاعدة: «فاسدٌ مطيعٌ أعْرِفُهُ مُقدَّم على مُصلحٍ نزيهٍ لا أعْرِفُهُ». ومن وقتها وعجلة الانتاج والإبداع متوقفتان! وحينما يرحل السلطان يسارع الأمراء الفاسدون الذين تربّوا في كنفه إلى تولية أحد من أسرته حتى يستمروا في فسادهم وخشية ان يؤول الأمر إلى سلطان لا يعرفونه فيحاسبهم ويولّي أمراء فاسدين تابعين له، وهكذا كانت لعبة الحكم في مصر تدور رحاها والشعب ما بين غائب ومغيّب.أخذ أبو السعادات منحىً آخرَ في تعامله مع الأمراء المماليك حوله، وهو التجاهل والارتماء في أحضان الغلمان الأشقياء من العامة والأوباش، وممارسة هوايته في القتل وتقطيع الأجساد، وكان له قدرةٌ مبهرةٌ على خداع الناس وتقمّص شخصيات عدة، فتارة يتقمص دور بائع وتارة مراكبي، وما أن تتكشف أمام ضحيته حقيقة شخصيته كان ينتعش بنظرات الخوف والهلع في عيون ضحاياه، ثم يحكم قبضته على الضحية من العامة، مكبلاً إياه. وكانت ألوان العقاب شتى، فأما ان تقطع اذن المسكين او يتم توسيطه بوضع الضحية على حمار وقطعه بالسيف الى نصفين من الخصر لتتدلى احشاؤه! وبالتالي أضحى لقاء أبي السعادات بأي مواطن مصري في الطريق من الحظ المشؤوم لهذا المواطن المصري الذي ليس أمامه من خيارات سوى التوسيط أو في أهون الأحوال قطع الأذن، والامر متروك لما يخطر ببال ابي السعادات من ألوان العذاب. ويا ليت الأمر يتوقف عند الموت او قطع الآذان، بل تعدى الامر مع ابي السعادات الى انتهاك أعراض الناس دون وازع من ضمير، فالويل كل الويل سيدي المواطن ان يكون لك زوجة جميلة، فجمال زوجة أحد التجار كان سبباً في اقتحام منزله من ابي السعادات وتكبيل الزوج واغتصاب زوجته، فعدالة الموت واستباحة الأعراض عند ابي السعادات لا تعرف التفرقة بين رجل وامرأة ولا صبي وكبير، فلا تستغربي عزيزتي ان يكون جمال جارية مصرية داعيا لأبي السعادات لإغتصابها رغم توسلات أمها له وتقبيل الأرض من تحت قدميه ان يرحم ابنتها، والتي سلخ جلدها بعد اغتصابها!
هل غضب الشعب المصري؟ هل ثار وعرضُه ينتهك وأجزاء جسده النحيل تقطع وتتناثر؟ للأسف: لا! ولكن هذه المشاهد المروّعة دفعت الأمراء المماليك إلى محاولة الانقلاب على ابي السعادات وتولية الامير «قنصوة خمسمئة» مكانه وهو ما حدث بالفعل، وتولى «قنصوة خمسمئة» حكم مصر لثلاثة ايام فقط!
غير ان مصالح بعض الأمراء المماليك في بقاء ابي السعادات قوضت الخطة، فأصيب الأمير قنصوة بسهم وتفرق أنصاره وعاد ابو السعادات أقوى من ذي قبل، ولقب نفسه بالناصر الأشرف وأصبح ذا اللقبين!
ولأن عهد ابي السعادات حافل بالسعادات من جميع الوجهات فقد انتشر الطاعون وفتك بالآلاف من المصريين، إلا ان اللافت هو انتشار الزهري، مما يعكس تردي السلوكيات الجنسية في المجتمع المصري، والحقيقة ان الأكثر إثارة للدهشة هو انتقال رجال الدين للكتابة في الجنس! فجلال الدين السيوطي صاحب التفسير الشهير الذي لا يخلو بيت مصري من تفسيره خطَّ في هذا العصر عشرات الكتب الجنسية في فنون الجنس و الاوضاع الجنسية وليلة الدخلة.. ومنها كتاب (اليواقيت الثمينة في صفات السمينة( وكتاب (شقائق الاترنج في رقائق الغنج( وكتاب (رشف الزلال من السحر الحلال( وغيرها. وقد حاول الكثير من المعاصرين ابعاد شبح هذه الكتب عن السيوطي واظهاره بمظهر البطولة، حيث اعتزل ظلم معاصريه من السلاطين المماليك. ولا اعلم من الدين ما يرجح كفة الاعتزال والتراخي على كفة سلوك افضل الجهاد وهو كلمة حق عند سلطان جائر.
لقد كان ابو السعادات ظاهرة تستحق الدراسة، اشترك في صنعها شعب يطيع حاكمه، حتى ولو افتقد الحد الأدنى من المقومات العقلية، ورجال دين غرسوا في نفوس الناس طاعة الحاكم ما نطق بالشهادتين واقام الصلاة، وعليك الطاعة وان ضرب ظهرك واخذ مالك! اما العدل فمنحة يمنحها الحاكم لرعيته ان شاء ويغفلها ان اراد وليست من شروط الولاية. وحتى لا نغادر نقطة اقامة ابي السعادات للصلاة فلا يفوتنا ان نذكر قصة شديدة الطرافة لقذافي العهد المملوكي والذي شاء القدر ان يكون العيد في ليلة جمعة، أي ان صلاتين ستقامان في يوم واحد، هما: صلاة العيد، وصلاة الجمعة. وهو -ما يعني في ثقافة السلطان ابي السعادات- نذير شؤم! فقرر ان يجعل العيد في يوم سابق على يوم الجمعة، ولما رفض قاضي القضاة كان العزل هو الجزاء.
ان الظلم مناهض للعلم، وماذا يصنع العلم في وطن ضائع؟! وحال السيوطي وغيره هو حال المثقفين في اي عصر تزهق فيه الحريات وتجتث فيه معالم الكرامة، فأما ان يتحول المثقف الى معاضد للسلطة فيغيّر جلده الى منافق، وأما ان يغيّر سلعته فيتحول الى مسايرة موضة عصره، او يختار اصعب السبل ويواجه الظلم والجهل فيفقد حياته، ولكنه في المقابل يصنع التاريخ.. تاريخ حتى وان لم يره في حينه فإن جذوته تبقى خامدة بين سطور مؤلفاته، حتى اذا استيقظ الشعب ولاحت رايات الحرية خرجت صفحاته لتنير للأحرار الطريق.
بقي ان نتحدث عن نهاية ابي السعادات،إذ اجتمع الأمراء المماليك على قتله ليكون جزاءاً وفاقاً لما اقترفه وعظةً وعبرةً لمن يعتبر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.