Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

المحطة الثالثة

ضمياء العوادي

جلَّ أيامنا ترافقها عفرات لا يكاد يخلو يوم من شحنة سلبية قد يهديها أحدهم اليك مغلفة بنكهة الواقع، فتصيب فيك شرخا وقد تفسح لها المجال لتتغلغل الى محل العمق فترتطم فيه وهنا كلما ازددتَ فراغا سيعلو صداها والعكس صحيح.
للسمع مداخل ومخارج وما بينهما عمق يتوغل الى هناك حيث تلك الذات الصغيرة التي أبتْ إلا أن تكسر حواجز الزمن وتقف في عمر واحد تاركة ما حولها يكبر بشراهة توقاً لرؤية ذلك المستقبل الذي نمضي له بتلهف مغفلين؛ استعجلناه بتضييع الآن الذي انتظرناه على ‏أنه مستقبل.
هذا التضاد ساومتْ عليه أفكارنا فمنهم من باع تلك الصغيرة ومنهم من أهدى لها شريط مورفين وأجبرها على تناوله، فغفتْ تنثر نعومة موطن نومها في أعماقهم، وما بين الحين والآخر يشتاقون اليها ولا يخبرهم هذا الاشتياق بشخصها ومكانها فتتركهم في تيه، يحتارون.. يبحثون عن ذلك الحزن المقيت الذي يجتاحهم، يحاولون إيجاد ما أضاعوه.. الأسباب.. المواقف القريبة… الفقدان… تتكالب عليهم من كل صوب وجانب هموم منذ أن عرفوا أنهم أحياء الى يومهم، الشيء الذي لم يفكروا فيه أنفسهم.
الحياة هي المحطة الثالثة بعد محطتين خاضتها أرواحنا هكذا قالوا لي وهنالك محطتان نذهب اليهما، لا أعلم لماذا نصر على هذه المحطة بالذات ونصب عليها كلّ إهتمامنا، لم نحطْ رحالنا لنسكن فيها، هذه الفيئة هي ما نحتاجه فقط هذه.
عجبا وتريد أن تضيّع نفسك بالتنقيب عن كل ما يخصها وتنكد على نفسك، تحارب قلبك، تصارع من أجل البقاء، تترك من أسمعك كلمة، تخاصم، تبكي، تمرض تدمي مستقبلك بماضيك، ثم يأتي القطار وتلتحق بالجميع مجبرا، يالكَ من مسكين.
القطار لا يزال يسير وبسرعة أيضا وأنت تتأمل بحديثٍ مات حتى عقاربه من كثرة الوقوف عليه وقد تخطتها السنون، القطار يمضي من أيدينا ونحن عالقون في تلك المحطة ننتظر اليد التي تصالحنا، علّها تأتي لنرضي غرورنا الزائف بعد ثلاثة وسبعين عاما .. هناك حيث جدران المحطة تآكلتْ، و ودع القطار سككه واليد التي تنتظرها أفنيتْ، تحاول أن تنفض غبار ماضيك عنك، تحاول أن تتحرك من مقعدك، ترى تصلب كل شيء فيك، فتنعى سنينك وتحرق دموعك ندوب العمر المقيتْ، لا شيء يسعفك للقيام إلا تلك الصغيرة التي داخلك، تستغل ركودك وتتحرر مغادرة عنك بعيدا الى إنتمائها الأول حاملة ثقل أوزارك الى مكانها السرمدي بعد أن تودعك قائلة: (إنها محض مغامرة نجريها ونذهب الى حياتنا الأخرى ثم توعدك بسلام).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.