Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

التنافس الإيجابي و مرتكزات التفوق المجتمعي

علي حسين عبيد

في إطار الخلية المجتمعية الصغرى ونعني بها (الأسرة)، صعودا الى التجمعات البشرية الأكبر، كالمناطق والأحياء السكنية والمدن ومن ثم المجتمع ككل، هناك مرتكزات للتنافس والتفوق المجتمعي على نحو عام، ولا يمكن تحقيق التطور المطلوب تربويا وعلميا ما لم يتحقق عنصر التنافس، لبناء المرتكزات السليمة للتفوق، ذلك أن جميع المجتمعات التي بلغت مرحلة متقدمة من العلم والتربية والتعامل الانساني الناجح، لم تكن في بداية الأمر متطورة ومتقدمة في هذا المجال، بل بذلت جهودا مضاعفة وطبّقتْ خططا نظرية وعملية كبيرة ومتواصلة، الى أن بلغت مرحلة التطور التي ينعم بها أفرادها الآن. ومن أهم مرتكزات التفوق التربوي، هو التنافس السليم بين الأفراد والجماعات، وهو التنافس القائم على قواعد ثابتة بعيدة عن الأحقاد والتسقيط والكراهية، لأن الهبوط الى هذه المستويات يجعل من التنافس معرّضا لحالة الصراع، ما يعني التأثير على فرص التقدم التي تتاح للمجتمع بسبب احتمالية تحول التنافس الى صراع، علما أن قانون التقدم لا يقبل الخطأ، حاله حال القوانين العلمية او الإنسانية، ومثلما تحتاج النتائج العملية والفكرية الناجحة الى تخطيط متخصص وتنفيذ دقيق، فإن الامر نفسه ينطبق على البناء المجتمعي، ولا سيما في الجانب التربوي القائم على عدة مرتكزات من أهمها التنافس الإيجابي. ويبقى الهدف هو بناء الشخصية المثالية، والمجتمع المتطور المستقر المبدع، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل المدروس والالتزام بالقواعد والمرتكزات الداعمة للتفوق التربوي بشقيه الفردي والجماعي، علما أن هذا الهدف يتطلب تحركا متواصلا ومبرمجا، لبناء الشخصية السليمة منذ ولادتها، وتخليصها من الانانية والتنافس السلبي عبر الحرص والعمل المنظَّم لزرع قيم التطور في شخصية الانسان منذ بدايات النشأة والنمو لأنها ستنمو وتكبر معه، وتصبح جزءاً لا يتجزّأ من تكوينه المادي والفكري، وطالما كانت الأسرة لبنة أولية في بناء المجتمع فينبغي أن تكون حاضنة قادرة على الابداع وصنع أجواء التنافس بين افرادها صعودا الى التجمعات المجتمعية الأكبر والأكثر حضورا وتأثيرا في الآخرين. ولا شك أن الانشغال بالعوارض التي لا تخدم الجانب التربوي للمجتمع، يعد من صفات المجتمعات المتأخرة، خاصة ما يتعلق بالأنانية التي تعني التخلف بكل ما ينطوي عليه من نتائج مدمرة، فحين يضعف أو يغيب الوعي السليم وتضعف القيم الجيدة في الأنشطة الاجتماعية، ولا يفكر قادة المجتمع بأهمية التفوق التربوي، وعدم الاهتمام بالمرتكزات الأساسية للتطور، تزدهر الغرائز التي تفضل الذات على الآخر وتدفع الى سلب حقوق الآخر ونبذ كل القيم السليمة كالتعاون والتشارك والتسامح والإيثار ونكران الذات وسواها من الخصال التي تشكل إطارا وجوهرا لأفضل الشخصيات العملية الفكرية المنتجة، وغالبا ما يكون التنافس الإيجابي والمرتكزات الداعمة له، هو السبب الرئيس في تحقيق مثل هذه النتائج الباهرة. من ناحية اخرى يؤدي انعدام العنصر التنافسي في بناء شخصية الانسان، الى ضعف في الرغبة بمشاركة الآخرين، وبالتالي تراجع التفوق التربوي وانعكاسه على تكوين صناعة مجتمعية قاصرة، لذلك فإن الشخصية التي تنشأ في ظل قيم الصراع والتنافس السلبي، والانعزال والابتعاد عن الآخرين فكرا وعملا، تنمو في أجواء رافضة للجماعة وقيمها الاخرى، كالتعاون والتكافل وحب الآخر واحترام خياراته، ومساعدته على انجاز الاعمال او الافكار وسواها مما يدخل ضمن الانشطة البشرية المتنوعة، وبهذا تتشكل مثل هذه الشخصية وفق معايير تنحو الى الفردية والتسلط والتعالي على الآخر، وهي قيم ناتجة عن ضعف في المرتكزات التربوية العاجزة غن تحقيق التفوق المطلوب. من هنا حرصت المجتمعات التي انتقلت من خانة التخلف الى التطور، على كبح الأنانية وإطلاق قيمة التنافس، وردع التنمّر الفردي الذي يجعل من الفرد المسؤول يتحول الى دكتاتور صغير أو كبير حسب حجم مسؤولياته، يحدث هذا بغياب أو ضعف عنصر التنافس والمرتكزات التي يقوم عليها، والقيم التربوية الإيجابية وتأثيرها الكبير في بناء شخصية الانسان، ولو أردنا أن نستعين بالتجارب العملية، التي أثبتت قدرة العمل التنافسي على البناء المجتمعي السليم، فإننا لا بد أن نستعيد التجارب الناجحة في هذا المجال وهي في حقيقة الأمر كثيرة ومتنوعة ومفيدة في هذا المجال لكل من يرغب الاستفادة منها. وعلى هذا الأساس لا بد أن تسعى النخب والعناصر والجهات المسؤولة للمجتمع، الى نشر قيمة التنافس في جميع مجالات الحياة، ولا سيما التربوي منها، كونه يتدخل في مجالات العمل والتفكير كافة، فمن يجد التربية اللازمة السليمة، يمكنه أن يكون عنصرا داعما للتفوق وما عداه لا يمكن أن يساعد على تطوير الفرد والمجتمع، وهو امر تمكنت الشعوب والأمم التي تقود العالم اليوم من فهمه ومعالجته عبر تطوير ودعم قيم التنافس في الأداء الفردي والجماعي على حد سواء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.