Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

شذرات من التاريخ العربي الإسلامي … الدول و الأسر التي ظهرت بعد الفتح الإسلامي حتى سنة 656 هـ

تاسعاً: السلاجقة في غربي آسيا
ينتسب السلاجقة الى قبيلة قنق, وهي احدى قبائل الاتراك الغز, نزحت مع غيرها من القبائل من موطنها الاصلي في تركستان, وسكنت قريبا من نهر سيحون, واتخذت مدينة جند قاعدة لها, هناك ظروف قاهرة هي التي دفعت هذه القبائل للهجرة من موطنها, وتتلخص هذه الظروف في سوء الحالة الاقتصادية في مناطقهم, وحدوث قحط أثر في استمرار الحياة هناك, هذا بالاضافة الى عامل ثالث ربما نتج عن ظهور قبائل قوية غلبتها واجبرتها على ترك موطنها.
كانت هذه القبائل تتحرك تحت زعامة الامير سلجوق بن دقاق, الذي جمع شملها ونظم صفوفها ووحدها تحت زعامته, ونسبت اليه وخضعت لحكم ابنائه وأحفاده, وعاشوا عيشة مريحة تتسم بشيء من الاستقرار تتخلله رحلة الشتاء والصيف, وخلال مدة تمكنوا من تجهيز أنفسهم بالمال والعتاد, وإعداد جيش وفير العُدد كثير العدد قوي البأس, واصبحوا قوة يخشى بأسها.توفي سلجوق فتولى الزعامة بعده ابنه اسرائيل الذي سار على نفس خطى والده في بناء الدولة وتقويتها, ودخل السلاجقة الى خراسان سنة 416 هـ واستقروا بها, حيث السلاجقة استغلوا فرصة تفجير الاحداث بين حاكم مدينة طوس واولاد السلطان محمود من يتولى السلطة، وبرغم ان الامور قد حسمت لصالح ابنه مسعود فإن السلاجقة استغلوا الفرصة وطلبوا ان يسمح لهم بالاستقرار في نيسابور مقابل التعاون مع الدولة الغزنوية ضد اعدائها, ولكن كان الرفض على طلبهم مما اسفرت الى تصادم عسكري سنة 429 هـ قرب سرخس، ودارت الدائرة على القوات الغزنوية التي اخذت تتقهقر امام السلاجقة الذين اخذوا يوسعون من رقعة اراضيهم في خراسان, وبعد هذه المعركة لم يجرؤ احد على الوقوف في وجههم في منطقة خراسان وربوع ايران, واصبح الوقت مناسبا لإعلان دولة فتية جديدة بزعامة طغرل الذي سار الى نيسابور ودخلها وجلس على عرش السلطان في ذي القعدة سنة 429 هـ, وليصبح اول سلطان سلجوقي, وكتب الى خليفة بغداد القائم بأمر الله, واظهر له الطاعة والولاء, وأبدى له رغبة في نيل رضا الخلافة وتأييدها, فأرسل اليه الخليفة تقليدا بشرعية دولته سنة 432 هـ.
واصلت القوات السلجوقية تقدمها غربا فاستولت على الري, كذلك دخلوا الى جرجان وطبرستان صلحا, وكان يحكمها انوشروان الزياري, وفي سنة 434 هـ ضم طغرل خوارزم وما حولها, ومن ثم أبهر وقزوين وزنجان, وهكذا بدأ طغرل يفرض سيطرته ونفوذه في مناطق شاسعة دون ان تتمكن القوات الغزنوية من منعه, ودخلت القوات السلجوقية سنة 443 هـ الى اصفهان عاصمة الديالمة وأخذتها من آل كاكوية لتصبح فيما بعد عاصمة السلاجقة, وما ان أهلت سنة 447 هـ حتى كان نفوذهم على بلاد ايران أمرا واقعا.
توفي طغرل سنة 455 هـ دون ان يترك ولدا يرث عرشه في ايران والعراق, فأنتقل الحكم الى ابن اخيه الب ارسلان, وقد تمكن الب ارسلان من السيطرة على مجريات الاحداث وساعده في ذلك وزيره نظام الملك, وكان ارسلان هذا قد وضع نصب عينيه أهداف تطلع الى تحقيقها منها تدعيم نفوذ دولته في ايران والعراق.
اخذت بيزنطة تشعر بالقلق من تنامي القوة السلجوقية على حدودها, فبادرت بمهاجمتها, انطلاقا من مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع, وقد حقق البيزنطيون بعض الانتصارات, ولم يكتفوا بما حققوا, وانما أرادوا ان يوسعوا دائرة الاحتكاك مع السلاجقة متأملين من وراء ذلك توجيه ضربة إجهاض لقوة السلاجقة بصفة خاصة وللمسلمين بصفة عامة, وحشد الامبراطور البيزنطي رومانوس قواته قرب ملاذكرد واشتبك الطرفان في معركة شرسة وضارية, وكان النصر حليف السلجوقيين, وأسر الامبراطور رومانوس وزج في السجن, وتعهد الامبراطور ان يدفع الجزية وأن يرسل اليه عساكر الروم في اي وقت يطلبها ويطلق كل اسير في بلاد الروم واطلق سراحه.قتل السلطان الب ارسلان على يد احد قادة القلاع (يوسف البرزمي او الخوارزمي), ودفن في مرو في ربيع اول سنة 465 هـ, وتولى الحكم بعده ابنه ملكشاه الذي كان عليه ان يتحمل مسؤولية ادارة الدولة والتصدي لاعدائها سواءاً في الداخل ام في الخارج, وبمساعدة وزيره نظام الملك استطاع التخلص من عمه قاوود الذي اعلن عصيانه في مناطق كرمان وفارس, كما استطاع من كسب ثقة اهله واقاربه, واسند اليهم الولايات, وبعدها تمر العلاقة بين ملكشاه ووزيره بمرحلة من الفتور في اواخر ايامهما بسبب الدسائس والوشايات التي كان يقوم بها اعداء الوزير حسدا وغيره, وتشاء الاقدار ان يموت السلطان بعد وفاة وزيره بشهر واحد على الارجح, وبهذا الحدث استعرت نار التنافس على العرش, وتدخلت الجفوة بين السلاطين وقطع ما بينهم من رحم وكثر حنثهم ونقضهم للعهود, وتفجر الصراع بين الاخوة ابناء ملكشاه (بركياروق واخيه الاصغر محمود), وكانت تركان خاتون زوجة ملكشاه قد تمكنت من اخذ البيعة لابنها محمود وهو اصغر من بركياروق من زوجة ثانية, فانقسمت الاسرة الى معسكرين, ووقع بينهما قتال مرير, هزمت فيها تركان خاتون وولدها, وعادت الى اصبهان فسار بركياروق في اثرها, وتمخض الصراع عن انتصار بركياروق ليصبح سلطانا متوجا في اصفهان.
تجددت المعارك بين الطرفين دون ان يتمكن احدهما من حسم الصراع لصالحه, الامر الذي دفعهما لأن يوقعا بينهما اتفاقا سنة 497 هـ, وكانت وفاة بركياروق عاملا شجع اخاه محمد على ضم ممتلكاته ليصبح حاكما قويا وسلطانا لا ينازع في دولة السلاجقة, والامر الذي شجع الصليبيين على توسيع ممتلكاتهم, وفي نفس الوقت كان سلاجقة الشام لا يقلون انقساما وتنافسا عن ذلك الذي يدور في ايران والعراق, فبعد مقتل تتش حاكم الشام, وقع صراع بين ابنائه رضوان صاحب حلب 488 ـ 507 هـ, ودقاق صاحب دمشق 488 ـ 498 هـ, الامر الذي شغلهم ايضا عن مواجهة الصليبيين.
توفي محمد بن ملكشاه سنة 511 هـ, وكان قد اوصى لابنه الصغير محمود, وكان من الطبيعي ان يتفجر الصراع بين الاسرة السلجوقية من جديد, وقد واجه سلاجقة خراسان العديد من الاخطار من طرف القرة خطائية والخوارزمية.
بدأت افول نجم الدولة السلجوقية في خراسان, فلم يكد تنتهي مشكلة حتى تقع في مشكلة اخرى, ففي سنة 547 هـ تفجر صراع بينهم وبين الغوريين, وكذلك وقع صراع مرير مع طائفة الغز التركية, وكانت محاولات الاصلاح من السلطان السلجوقي مستمرة ولكن لم يفلح من اصلاح مافسد, فقد كانت امكانيات الاصلاح اعجز من ان تفي بانقاذ البلاد, مما حل بها من الخراب, واصيبت باحباط شديد, وحسم الصراع لصالح شهاب الدين المؤيد الذي اصبح يذكر اسمه في بغداد بعد اسم الخليفة العباسي المستنجد بالله, إلا ان المؤيد هذا قتل على يد علاء الدين تكش الخوارزمي عندما حاول مهاجمته في خوارزم, إلا انه لم يتمكن من تحقيق اي مكاسب وتوفي سنة 589 هـ, تاركا السلطة والدولة لأخيه تكش الذي اخذ يوسع ممتلكاته على حساب سلاجقة ايران والعراق, وبسيطرة تكش على العراق واقرار الخليفة العباسي (الناصر لدين الله) له على هذا الوضع, اصبحت الدولة الخوارزمية قد اسقطت دولة السلاجقة في كل من ايران والعراق.
الخاتمـة:
كان الناس في زمن مجيء الرسول الكريم محمد (ص) مهيأين للتغير ويبحثون عن بديل ويسعون لإزالة الظلم وتولدت نفره عظيمة في القيادة, وان تربية الامة على معتقد الاسلام هو السياج العقائدي والفكري والنفسي الذي يحميها من الدعوات الضالة والمضلة.
كان للرسول الكريم محمد (ص) دور ملموس في مدة نهوض الامة وتهيئتها للفتوحات الاسلامية وانتزاع اراضٍ عربية من النصارى والفرس وحلفائهم, كان زمن تغير للأمة, وكانت ملامح التمكين ظاهرة من عدل شامل, وحب للمصلحة العليا, وتفان في اداء الواجب, وتكامل بين ابناء الامة, وانصهروا جميعا في تحقيق الاهداف العليا.لا قوة للامة إلا بالاتحاد, فبدأت الدولة الفتية في توحيد أقطارها الاسلامية, ورأت بمنظورها لا عزة للامة إلا بالتوحيد.
ان من الاخطاء القاتلة التي تمر بها الامة احيانا, ان تتعلق بالاشخاص فإن ماتوا ضعفت وإن انحرفوا انحرفت, ولذلك يجب ان تجعل قيادة الامة تتعلق بالمنهج والقيادة العلمية حتى تستطيع ان تستمر في اداء وظيفتها الرسالية.
عندما تكون الامة قوية يعمد اعداؤها الى لباس ثوب الدين ليسهل لهم تفتيتها ونخرها من الداخل, ويتفنون في رفع الشعارات المزيفة والكاذبة لخداع عوام المسلمين, ولهذا نجد ظهور الدول والاسر واعتلاء العرش والحكم المتفرد والسيطرة على مقدرات الدولة, مما سبب التنازع والاقتتال والتفرقه حتى في الاسرة الواحدة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.