Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

خفايا التاريخ و تساؤلات الحاضر

دعاء الشبيبي

 

من المعروف أن كل ما يحصل اليوم جذور تمتد للماضي، هناك حيث التاريخ يمثل أصل ما يحصل اليوم فما الحاضر وكل ما وصلنا له في شتى المجالات إلا امتداد البارحة وتحصيل حاصل له، ولذا سنجد كثيراً من أسئلة اليوم إجاباتها في صفحات الماضي، منقوشة على أحد أركانه او في زاوية من زواياه، ذلك أن التاريخ هو صلة الإنسان بكل ما يجهل مما حدث سابقاً، وهو شيفرة فك اللغز الذي بين ايدينا ومفتاح للولوج لعالم مفهوم وواضح. فصورتنا اليوم ستظل مشوشة الرؤية ما لم تتضح صورة البارحة، وحتى مفهومنا عن أنفسنا لا يكتمل دون فهم المفهوم الذي كان ينظر لنا به، فالقوة لن نعرف ان نستمدها ما لم نعلم أنها كانت فينا، والعزة لن تجد لصدورنا سبيلاً بلا رؤيتها في سير الأجداد.

نحن نستطيع أن نرى من خلال التاريخ صورة أوضح بكثير، فهو بمثابة تلسكوب يرصد ويكبر فيعطي تكبيراً للصورة، وبالتالي يقدم وضوحاً نستطيع أن نرصد أخطاء الماضي ونتلافى الوقوع فيها في الحاضر، فينقذنا من الحيرة ويقدم مجاناً لنا الخبرة، ولكرمه الاصيل فهو يجيبنا عن الأسئلة التي تعصف في الذهن والتساؤلات التي تجول في الصدر. وواحدة من تلك التساؤلات تجد إجابتها بوضوح منقوش على جدران تاريخ ما قبل قرنين من الزمان، فكما معروف أن مصر هي مهد الحضارة الفرعونية، وبلد الخير ووادي النيل، وبرغم هذا يوجد تساؤل منذ مدة، فقد اتخذت كموطن لتصدير الأفكار العلمانية التي يبثها دعاة الحرية، تلك الافكار الهدامة والأساليب التي تعود بالمجتمع الى الوراء وتدفعه للخروج عن عاداته وقيمه ودينه القويم، فهي تمثل أقصى درجات الرجعية بمسميات تبهرجها وتتلون بها.

والسؤال في جوهره، لماذا يتخد أولئك المغرضون من بلد مصر الخير منبعاً لتلك الأفكار المسمومة؟ تلك الافكار التي تدك المجتمعات وتنسف القيم ولا تنتمي لتلك الارض الطاهرة ولا لشعبها المسلم، متخذة منها موطناً لتصديرها عبر وسائل مغلفة بأسامي عدة كالفن والحرية والمساواة والتجديد؟

لنصل للإجابة يتطلب معرفة أن الغاية من السؤال هو وضع اليد على تاريخنا وربط حقائق اليوم بجذور البارحة، فبالرجوع لنهايات القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر الميلادي سنجد أن الدول العربية اليوم كما معروف كانت تحت رعاية الخلافة العثمانية، وفي تلك المدة بالتحديد حصلت نقلة فكرية للبيئة العربية مست بأهم ما تحمله من قيم أسلامية وكانت البداية في الارض المصرية التي سبقت بقية الدول بنصف قرن او يزيد، ولأنها نقطة الانطلاق فقد كانت الأقوى والأشرس على الإطلاق، فقد شمل ذلك التحول تغييرات على مستويات عدة اجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية وغيرها في البنية المجتمعية التي حصلت بعد الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت على مصر، والتي كان هدفها احتلال الارض من خلال احتلال الأفكار. الأفكار العلمانية المغلفة بغطاء التجديد والتحرر والمساواة والإخاء وتولّى محمد علي باشا الترويج فالتطبيق لتلك الافكار، ولضعف الدولة العثمانية آنذاك لم تستطع أن تتصدى، بل هي الأخرى تأثرت بمظاهر النهضة الاوروبية، ولم تأخذ منها سوى قشورها. وكان مما فعله محمد علي باشا والي مصر آنذاك لتغريب الفكر العربي عامة والمصري خاصة بإرسال البعثات والطلبة والعلماء الى أوروبا، ورجع أولئك الشباب الصغار متأثرين بأفكار الغرب آنذاك حتى أن بعض العلماء تأثروا بالفكر الاوروبي بعد إرسالهم الى فرنسا وانكلترا فرجع الشيخ رفاعة رافع الطهطهاوي وحسن العطار وانضما الى دعاة ذلك الفكر، وكان من تبعات هذا أن قال الشيخ رفاعة الطهطاوي «الرقص ليس حراماً فهو مجرد حركات رياضية على أنغام موسيقية تبعث في النفس الإنشراح والسرور»، وبعد تلك الهجمة الفكرية التي كانت تجربتها الأولى مصر انطلقت الى بقية الدول العربية ولكن لم تكن بنفس الشراسة فقد كان المجتمع في الدول العربية على يقظة اكثر وحذر أعمق لما تنتهجه تلك الدول من احتلال للفكر، ومنذ ذلك الحين قد تم انتهاج تلك الارض المباركة ـ مصر ـ التي ذكرت بأطيب الكلمات في القرآن (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)، فأضحت محطة لتصدير تلك الأفكار، فكان أول مطرب ومطربة من مصر وأول فيلم عربي مصري الجنسية، وأضحت مصر محطة للصحف التي تدعو للحرية وغيرها، وهذا ما لا ينسجم مع جذور أبناء مصر وتاريخهم الطيب. وبمعرفة هذا يمكن أن تعلم لماذا لم تكن اولى الافلام العربية سورية او اول مطرب عراقي وأكبر أنتاجات أردنية مثلاً؟.

ما يجب الإشارة اليه أن كثيراً من التساؤلات لا بد أن تجد لها إجابة، وغالباً ما ستجد الإجابة لكل التغيرات التي تطرأ على الشعوب من التاريخ. قراءة التاريخ لا تمثل معرفة، وأخذ معلومات تاريخية فحسب، بل هي معرفة تامة شاملة لما أنت عليه اليوم. وكما أحب أن أردد باستمرار كتشجيع على مطالعة الكتب التاريخية بأنها ستهمس لك دوماً بشكل ودي وتخبرك بكل وضوح وثقة: من كنت؟ وماذا تكون؟ وماذا تكون؟

ستعرف (من كنت) بمعرفة تاريخك المتمثل لأحداث الماضي ومواقف الأجداد.

معرفة (ماذا تكون؟) من خلال ربط ذلك التاريخ بحاضرنا وكيف قادنا ذلك التاريخ لحالنا اليوم.

ويصف الشيخ الطنطاوي التاريخ وصفاً رائعاً ويذكر كيف أننا يمكن ان نعيش في التاريخ اليوم بقوله: «وما التاريخ إلا زمان ومكان ورجال، وقد مر الزمان فلا يعود، وذهب الرجال فلا يرجعون، ولم يبق إلا المكان فهو جسم التاريخ. واذا نحن رأينا (وارينا تلاميدنا) الساحة التي جرت فيها المعركة، والدار التي عاش فيها العظيم، والقلعة التي أفتتحها القائد فقد رجعنا الى التاريخ وعشنا فيه».

(من تكون)؟!

وهنا بالتحديد لعلك تتعجب وتتساءل كيف للتاريخ أن يعلمنا من نكون بالمستقبل، وطبيعة التاريخ أنه يحدثنا عن الماضي، فكيف لنا ان ندرك من خلاله من نكون غداّ، أو بعد مئة سنة؟!

ببساطة، أن سلوك الطريق نفسه لأي شخص ومهما مر على ذلك الطريق من وقت سيقوده بلا محالة الى الوجهة والمكان والإتجاه أنفسها ومعرفة الأخطاء التي وقع فيها السابقون والافخاخ التي نصبها الأعداء وإدراك مواطن الخطأ التي أسقطوا فيها، يعلمك ذلك كله من تكون بإدراك الخطأ وستعرف الفخ بمجرد أن يعرض عليك فقد تعرفت عليه من التاريخ، وحتى لو كان بطريقة مبطنة ،فالجاهل من يتعلم بنفسه والفطن الذكي من يتعلم بغيره.

في الختام، لا بد أن القول إنه إذا كانت القراءة في مجالات عدة ضرورية لنتقدم فمعرفة التاريخ واجب مقدس لا تهاون فيه لتعيش بكرامة وعز، مستمداً إياهما من ماضيك المشرق الذي كان أجدادنا يعيشونه ومتعلماً من دروس الماضي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.