Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

عراقة العراق

د. خليل محمد إبراهيم

منذ وقت قريب؛ عاد بعض الإخوة – بقصد أو بدون قصد- إلى تقديم (العراق) الحبيب، وكأنه دولة مجمعة من بضعة أقاليم متفرقة؛ جمعتها معاهدة (سايكس بيكو) الشهيرة، أو جمعتها (بريطانيا) العظمى- التي احتلت ولايات عثمانية ثلاثا- وحدتها تحت اسم (العراق) –دولة أو مملكة، ثم جمهورية فيما بعد- ومع انه ليس من حق أحد أن يطلق الكلام على عواهنه خصوصا إذا كان هناك من يستطيع تحليل الكلام، وإذا كان هناك علم ينبغي الاستناد إليه، وإذا كانت هناك مشكلات يمكن تجنبها استنادا إلى العلم، فـ(العراق) قديم اسما ورسما، فأما الرسم، فهو محتاج إلى دراسات معمقة في التأريخ والجغرافيا؛ تحدد ما كان اسمه (عراق) في كل حقبة تاريخية، وليس هذا من العلم الذي أزعم التعمق فيه، و(رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، فلزم حده)، و أما قدم اسم (العراق) الحبيب، فلعل وعسى أن يكون بإمكاني أن أدلي بدلوي النافع في شأنه، فكلنا يعرف موقعا أثريا يقع في محافظة (ذي قار)؛ يسمى(أور) يذهب الآثريون إلى أن معالم البيت الذي ولد فيه سيدنا (إبراهيم) الخليل؛ ما تزال ماثلة فيه، وقد أعيد لها شيء من رونقها يوم فكر (بابا الفاتيكان) السابق؛ في زيارة (العراق) الحبيب، وواضح أننا نستطيع أن نحدد التاريخ التقريبي لهذا البيت الكريم، بما لا يقل عن ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، فإذا صح هذا- ولعله صحيح- كان علينا أن نتبين اسم هذه المدينة، ماذا كان في بداية إنشائها، وكيف تطور هذا الاسم، يذهب الأثريون؛ إلى أن اسمها الأول هو:- (أوروك) –هكذا جاء في ملحمة (كلكامش) الشهيرة- وأنها ثاني المدن المقامة في بلاد (سومر)، وأنها المدينة التي انتقلت إليها الملوكية بعد مدينة (كيش) حين انتصر (كلكامش) -ملك (أوروك)- على (اكابا) –ملك (كيش)- ، فإذا ما صح هذا -وفي رأي الأثريين انه صحيح-بدا قدم مدينة (أوروك) السومرية العراقية؛ قد يستغرب مستغرب سبب الحديث عن (اوروك) المدينة، ونحن بصدد الحديث عن عراقة (العراق الحبيب)؛ هنا أوضح أن هذه المدينة(اوروك)؛ تطور اسمها عبر التطور اللهجي للعراقيين في اتجاهين، فأما الاتجاه الأول، فهو في إسقاط الحرفين الأخيرين من الكلمة تخفيفا، لتصبح (اور) تعبيرا عن المدينة التي صارت موقعا أثريا بين سكان المنطقة.أما الاتجاه الثاني، فلعله يبدو في تطور الكلمة استنادا إلى اللهجات العربية التي قد ينطق الحرف في إحداها بطريقة، ثم ينطق في الأخرى بطريقة أخرى، فالهمزة والعين -عند بعض العراقيين- تتعاوران؛ تماما كما تتعاور القاف والكاف، فانقلب ألف (اوروك) عينا، وانقلب كافها قافا فصارت(عُروق) -تماماً كما يحدث في:- (أشور) و (عاشور)؛ (قراءة) و (قراعة)؛ (قرآن) و (قرعان)….الخ- وهو ما يظن بعض المهتمين بالشأن العراقي أنه سبب تسمية (العراق) ذلك لتشابك العروق فيه، وهو وارد في بعض تاريخ الكلمة، لكن الواضح- كذلك- أن الواو والياء في اللغة العربية؛ قد تنقلب كل منهما ألفا في مثل:- باع يبيع؛ صاح يصيح، كال يكيل، هذا في ما يتعلق بالألف المنقلبة عن ياء، أما الألف المنقلبة عن واو فمن أمثلتها:- قام يقوم، ولام يلوم، وقال يقول، وفاح يفوح، وفار يفور، ولو تتبعت الأصول في أي قاموس عربي، لما وجدت فيها ألفا إلا منقلبة عن ياء أو عن واو، وهنا يمكن القول بأن الواو في (عُروق) انقلبت ألفا في(عراق)، فكان الوطن(العُراق) –هكذا كان يلفظه آباؤنا و أجدادنا- هنا قد يتشكك المتشككون في ما ذهبت إليه هذه الفذلكة، لكن هل يوجد من يتشكك في أنه كان في العصر الجاهلي شاعر من شعراء المعلقات؛ يقال له:- (زهير بن أبي سُلمى)؟هذا الشاعر؛ لم يتشكك فيه ولا في أكثر شعره (ابن سلام الجمحي) ولا (طه حسين)- وهما أكبر المتشككين في الشعر الجاهلي قديما وحديثا- بالذات؛ صح عند (طه حسين) قول زهير لـ(عبس) و(ذبيان) يوم فكر بعض جهلتهما للعودة بالناس إلى حرب (داحس والغبراء):
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها
وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم
كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ
فَتُغلِل لَكُم ما لا تُغِلُّ لِأَهلِها
قُرىً بِالعِراقِ مِن قَفيزٍ وَدِرهَمِ
فـ(زهير) -هنا- لا يذكر (العراق) وحده، بل يذكره بما يرافقه من قفيز ودرهم، والقفيز مكيال للحب، والدرهم نقد معروف، فإذا كانت معاهدة (سايكس بيكو) أو احتلال (بريطانيا) للولايات العراقية؛ قبل (زهير بن أبى سُلمى)- الشاعر الجاهلي- فليس لنا إلا أن نقول:- (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)؛ المشكلة أن (العراق) لم يذكر في الشعر الجاهلي فحسب، ولو تم ذكره فيه، لكفاه قدما، ولدل على أن هذا المعنى الذي تعبر عنه هذه الكلمة؛ كان شائعا بين الناس، ولولا ذلك، ما استعمله الشاعر، وكان له عنه غنى في كلمة أخرى تؤدي المعنى نفسه.
ولو عدتَ إلى كتب التاريخ العربي القديمة، لتبينت أن الفرس؛ كانوا يحكمون (العراق)، وان (الروم) كانوا يحكمون بلاد (الشام)، فإذا صح هذا بدا قِدم (العراق)، وفي بداية الإسلام؛ على عهد (عمر بن الخطاب) بنيت فـي (العراق) مدينتان؛ سمي كل منهما بـ(العراق) هما:- (البصرة) و(الكوفة)، فكانتا (عراقين)؛ ترى أهذا حديث كذلك؟!
ومع ذلك، فقد ذكر الكتاب والشعراء اسم (العراق) بلا حساب في العهد الإسلامي، ولا أريد أن اذكر -هنا إلا أنموذجات منها قول (ابن حزم):
أنا الشمسُ في جوِ العلوم منيرةٌ
ولكنَ عيبي أنَّ مطلعيَ الغربُ
ولو أنني من جانبِ الشرقيِ طالعٌ
لجدَّ على ما ضاعَ من ذكري النهبُ
ولي نحوَ أكناف العراق صبابةٌ
ولا غروَ أن يستوحش الكلفُ الصبُّ
ومنها ما كتبه (ابن بسام الشنتريني) -صاحب (الذخيرة)- عن (العراق) في مقدمتهِ حين قال:- ‘‘حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام و العراق ذباب، لجثوا على هذا صنما‘‘…الخ، ولمن كان حصيفا هذا دليل كافٍ، أما المعاندون، فقد عاندوا الله سبحانه وتعالى، فماذا يكون قولي تجاه قول الله عز و جل؟!لقد كان (العراق) قديما، وما يزال حديثا، وسندافع عنه بالغالي والنفيس، وسنعمل على تطويره ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، فإن تمكّنا من ذلك؛ شكرنا الله تعالى على ما أراد وأردنا، وهو الذي لا يضيع أجر عامل منا من ذكر أو أنثى؛عليه توكلنا وإليه المصير.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.