Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

نوافذ لنصوص دمشقيّة

فضيلة ذياب ـ تونس

حين يكتب محمد الدمشقي قصيدته نراه فيها بكل ملامح العاشق المشغوف بالحبيبة بمعناها الشامل المرأة والوطن والقيم.. نراه يطير داخلها وخارجها تحمله جوانح الحلم نحو آفاق الكلمة بما فيها من دلالات وجدانية ونفسية. لذا تلتصق لغته الشعرية التصاقا كليا بالمعجم الطبيعي، لأنها تتوافق ورغبته الجامحة في بناء فكرة حب ناصعة البياض شديدة الخصوبة. خالية من كل شائبة مادية أو فكرية كما في المقطع الأول الذي اتسعت فيه رؤيته الشعرية اتساع البحر كاشفة عن انشطار بين عالمين الارض والسماء العالم الحسي والعالم الروحي والروحاني فتأتي التفاحة ببعدها الرمزي لإسقاطه في الهاوية كصورة معبّرة عن مفارقة بين الحلم والحقيقة إذ تصعد الروح بأحاسيسها وتسمو ليصطدم الحلم بالمستحيل الذي أخرجه منه عنوة اتساع البحر وعلوّ موجه وبعد السماء. هذه الصورة الشعرية التي أوحت بطرد الواقع للشاعر من جنة أحلامه وهنا تبتدئ المعاناة النفسية.
بُني النص على جملة من المقابلات كلون تعبيري بلاغي كثيرا ما تقوم عليه قصائد شاعرنا لترتقي بالنص في فنيته الى مستوى جمالي تحكمه الدقة في انتقاء العبارة وتلوينها بالبديع والانزياح، لذا نجد المفارقات السياقية طاغية منذ بداية النص إذ تجتمع المتناقضات كلها في مشهد واحد.. غناء، نافذة ناعمة، بحر، سماء بعيدة، شطآن، تساقط، حزن اجش، ينقرني ضوء اصم، صدى، زبد، كيد.
نلاحظ اقتران الحزن والأسى بالأنا ما يحدثه في النفس غياب او عدم اكتراث الآخر او استحالة الوصل في جمل خطابية، تحدّث فيها الأنا نفسها داخل مونولوج نفسي نلمس فيه خطابا ساخرا، وكأنّ النفس تسخر من استغراقها في حلم لا أمل منه ما يضاعف البعد الدرامي في القصيدة، فلَأكثر ما يحزن النفس وقوفها أمام الوعي وانشطارها الى ذاتين (مخاطِب ومخاطَب) وكأنها تقرّع نفسها على تمادي أحلامها وانتظاراتها الواهمة لذا استهل المقطع الثاني بلفظ «اضغاث»، لتتسع رؤية المشهد الدراماتيكي في مسرح شعري يغطيه الرماد.
يواصل الشاعر خطابه للذات مصرّحا بتمزقها بين الوعي والقلب فكانت ال (أنت) غريبة عنها وكأنها الروح التي محرَّم عليها الاستغراقُ في طلب الحياة والضوء ما عبّرت عنه التعابير التالية او الحقل الدلالي لصورة الظلام: (ظل غروب غبار اجفان اعين صباح فتيل رقصات يد نعاس هذيان انطفاء وسائد النوم..).
نلاحظ دقة باهظة الجمال في تشكيل المشهد المعبّر عن الغرق في الظلام مستدعيا كل الصور والأشياء الحسية والمعنوية الدالة عليه.
لا مناص من الهروب من الحقيقة فالذات الشاعرة تدرك أن الكتابة ايضا لا تُقرأ في زمن لا يكترث باحتراقها وصدق احاسيسها هذا ما يميط اللثام عن بعد فكري ايضا وثقافي تغترب فيه القصائد كاغتراب اصحابها في ساحة الأدب رغم انها في محتواها تسعى بمضامينها النبيلة واهدافها السامية الى بعث الامل واستمطار الضوء في واقع ساده الظلام كصورة العنقاء تنفض عنها الرماد لولادة جديدة.
صورة سيزيفية تكشف ببعدها الايحائي فشل الشاعر رغم محاولاته تغيير واقعه وواقع مجتمعه نحو الافضل رغم محاولاته اشعال فتيل الوعي ـ الرفضُ لطالما انهك الشعراءَ في رحلة بحثهم عن الجمال وتحويله الى قيمة نبيلة ولكنه استفز قريحتهم ما امطرنا قصائد بالغة التاثير عميقة الاحاسيس.
شاعرنا محمد الدمشقي، برغم هذا الكم الفائض من الاحاسيس لم ينسَ ان للقصيدة شعرية لا بد من الحفاظ عليها لذا نراه يزخرف قصيدته بالمجاز اثناء وصفه للانا في الجمل الاسمية التالية: (اضغاث ظل انت .. قحط)، او الفعلية القائمة على صيغة الامر والنهي: (غط في نوم طويل.. قبّل يد نعاسك.. نم على وسائد, لا تفرك.. لا تشعل..).
هذا النفَس التشاؤمي الذي نلمسه في تقريع الشاعر لنفسه وسخريته يكشف عن سموّ قيميّ وشعوري لدى الشاعر وعن توجه روحاني ونفسي في حركة القصيدة، وايضا وجداني حين يتحول المونولوج الذاتي الى خطاب مع ضمير (أنتِ).
هنا يخرج النص في خطابه من فضائه الداخلي الضيق الى فضاء خارجي يشمل الانا والاخر لترتفع وتيرة الشجن بالرغبة في التحرر من الاخر الذي هو سبب معاناة الشاعر عبر عنه الحرف الناسخ (ليت) الدال على التمني.
فاستحالة التحرر من حب الآخر الانثى او الوطن هو في معناه المضمر رغبة في البقاء في فضائه لكن الذات ارهقها المكوث طويلا في حالة الاستحضار والتمني، لذا تشتهي اسكات ما بداخلها والتحرر منه بتقديمه للريح خيفة الاحتراق اكثر.
نلاحظ فنيات التصوير في التعابير المجازية حيث كان الانزياح اداة رسم لمشهد المعاناة في هذه الجمل المدهشة: (للريح ان تاخذ صرختي)، (ما وجدوا في كأسي الفارغة الا رذاذ نغمتك). عودة الى المقطع الاول الذي استهله بـ»غناؤك» محققا الترابط البنيوي في القصيدة فالغناء هنا له بالغ الاثر في الشاعر هو من يقشره اي يعري دواخله ومكنوناتها.
ربما يكون صوت الحبيبة غناءاً بالنسبة للشاعر وربما يكون فعلا ترانيمها التي اغوته وربما ايضا يكون نشيد الوطن وصوت الحب المندلع في ذاته، وكل ذلك تضافر لصناعة الصور الشعرية وحركية في السرد خلقت حدّة intensité في العلاقة التاثرية بين الانا وهواجسها واحاسيسها وعلاقتها بالآخر. نلمح هذا في نفس العتاب الموجه الى الطرف المشارك في قتل الحلم عبرت عنه الجمل الفعلية.
«يطلقونَ حمائمي بعيدا.. عن صلواتِ عطرِك»، «قبضوا على جرحي القديم»، وفي الجملة الاستفهامية «هل كان حبكِ تهمتي»؟ في هذه الاخيرة انتقل بنا الشاعر الى دلالة اكبر للمعاناة حيث اضحى الالم شاملا وكأنّ أفعال الآخر مؤامرة ضد السلام والحب والحلم هنا تبدو ملامح معاناة الذات اشبه بمأساة الوطن المكبّل بالموت عبرت عنه: (الشظايا والوجه المتناثر وشحوب المرافئ) ولكنه وطن من ياسمين يرفض ان ينحني للموت لذا لم تطمس ملامحه كلها بل ظلت في الذاكرة والقلب والشعر خضراء كالشجر.
المشهد الأخير الذي فتح أفقا آخر للقصيدة يكشف عن تحدّي الشاعر لكل العقبات المادية والمعنوية وفاءا وولاءا للحبيبة الأنثى والوطن عبّرت عنه الجملة الفعلية في صيغة النفي ثم الجزم (لا.. لم يشطبوا ملامحك). ثم الفعل الناقص (ما زال، مازلت لوني, ما تزال تتذكرني) تعبيرا عن استمرارية الفعل الذاتي المناقض للحقيقة اي مواصلة الشاعر رحلة البحث عن الحرية والحلم والخصوبة بدل الجفاف والشحوب وهي بدائل يسعى لتوثيقها عن طريق الكتابة.
طرح الاسئلة لم يكن عبثيا اذاً فقضية الشاعر ابعد ما تكون عن الذاتية لأنها ذات أبعاد أعمق مما تبدو عليه في ذهن القارئ وهي أبعاد اجتماعية ثقافية ووطنية تكشف عن رفض مصادرة الأحلام وتحدّي الزيف وقيم الشر.
كي لا يكون النّص الشعري مدنّسا بغبار التحدّيات والعقبات نرى ان شاعرنا طهّره وسما به بصدق الاحاسيس وشفافية المعاني الوجدانية معبّرا بذلك عن تطلّعاته كشاعر ومثقّف وانسان تخلّت عنه سُبل السلام في عصر بائد وواقع متردّ، لذا كانت القصيدة مليئة بالاستطرادات في نزعتها السرديّة ومنهجها الحكائيّ الذي قدّم لنا مشهدا انسانيّا في أقصى حالات المعاناة والتمزّق والشكوى والتحدّي شكّلته المشاهد الشعرية المبنيّة على الانزياح والبديع والنعوت والجمل الإسمية والفعليّة والإيقاع في حركة التكرار، مثلا في المقطع الأخير أو الجناس مثل (أشجان، وأشجار) أو في المقطع الأول تردّد (كاف) المخاطبة في آخر السطر، وتردد حرف (الشين) في المفردات المستعملة في المقطع الأخير.
وبذلك تكتمل القصيدة النثريّة لدى محمد الدمشقي بشكلها الدائري الذي يبدأ بالحلم وينتهي به ولكنها لا تنتهي لتبقى عملا مفتوحا على المحتمل، ولتبقى فكرة سماوية عُليا تنشد الحب والجمال وتخرج حيّةً من تحت الرماد.
مقاربة تحليليّة عبّرت من خلالها عن رؤيتي للنص من زوايا مختلفة لعلني وُفقت في الإحاطة ببعض جوانبه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.