ماذا لو حاكم نجيب محفوظ “صفقة القرن”؟

ماذا لو حاكم نجيب محفوظ “صفقة القرن”؟
فيصل درّاج
استهل محفوظ مجموعته القصصية “الشيطان يعظ” بقصة عنوانها: الرجل الثاني، مستأنفاً عالم “الفتّوات”، الذي عرفه جيداً، واستخدمه كمجاز للشر والقوة العمياء. أدرج في قصته “فتوّتين” لا ينقصهما من الضخامة والغلظة شيء، وضع بينهما إنساناً بسيطاً مقهوراً، استخفّا به وحاصراه وعبثا بحقه، وتصدى لهما وانتصر ومات. لكأن محفوظ يقول بصوت جهير: لا تتعيّن قيمة الإنسان الحقيقي بنصر أو بهزيمة، بل بموقف مقاتل يواجه الشر ويحتفي بالحق. لا يبتعد إنسان محفوظ المقهور عن وضع الفلسطينيين، القادرين على التصدّي للشر والاستمرار في الحياة، مواجهين فتوّات جدداً، عضلاتهم نقودهم وضخامتهم من شرط عربي راهن كثير الثقوب والمبكيات.
أخذ الفن المحفوظي في أحواله المختلفة بالقيم النبيلة مرجعاً، ومن مواجهة الظالمين قاعدة. صدر موقفه عن بصيرة ثاقبة، وتكامل معنوي – جمالي، يعطف الحاضر على الماضي ويتطلّع إلى زمن منير محوّط بالغموض والالتباس.
لو تأمل الروائي المصري “صفقة القرن” لأوغل في الضحك ولأطلق قهقهته العالية الشهيرة، ولنظر إليها وإلى أنصارها نظرته الصائبة التي سخرت من “الزعيم الفارغ المتغطرس”، الذي كلما زادت أوسمته تناقصت كرامته. ذلك أن محفوظ لم يكن يفصل بين الأخلاق والسياسة، ويرى الأخيرة حاكمة للحياة، لا تختزل الحق إلى حفنة نقود، ولا تختصر فلسطين إلى صفقة اقتصادية، ولا تخلط بين الحق والباطل والدولارات، ذلك أن السياسة، وكما رأى محفوظ، تساوي حرية الاختيار، واعترافا متبادلا بين أطراف مختلفة، لها حقوق الرفض والقبول والاقتراح والدفاع عن صواب يحقّق العدالة.
قاتل الفلسطينيون من أجل حقهم الوطني مائة عام وأكثر، وجابهوا صفقات رخيصة متلاحقة، ليست صفقة القرن إلا أحد وجوهها المتأخرة.بية للتعرف على ما فيه من جديد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.