الإبداع الشعري عند العرب وبلاد فارس

الإبداع الشعري عند العرب وبلاد فارس
محمد الارناؤوط
صحيح أن “الشعر ديوان العرب”، لكن الفتوحات العربية الإسلامية ثم الفتوحات العثمانية وسّعت دائرة الشعر العربي من ناحية وقاربت بين شعراء العرب والفرس والترك سواء من حيث الشكل (بحور الشعر العربية) أو من حيث الموضوعات المطروقة (تقليد “قصيدة البردة” لكن مع هذا الكتاب الصادر مؤخرا عن جامعة سراييفو للأكاديمي أسعد دوراكوفيتش بعنوان “الشعر الكلاسيكي في العربية والفارسية والتركية: مقاربة جمالية” تتوسّع دائرة البحث ونتائجه في هذه الآداب الثلاثة. يستعرض دوراكوفيتش في الفصل الأول “تاريخ الأدب و/ أو الجمالية” ما أُلّف في البوسنة من شعر في هذه اللغات وما كتب عنها من دراسات بمقاربات مختلفة تاريخية وفيلولوجية وموضوعاتية، جاءت في سياقات مختلفة، كما هو الأمر في المشرق مع كتب د. المصري كـ “مصر في الشعر العربي والفارس والتركي” إلخ. ففي البوسنة، عندما كانت جزءا من يوغسلافيا السابقة (1918-1992)، كان الوضع مختلفا حين كان الجيل الأول من المستشرقين يتعاملون مع هذا التراث البوسنوي باللغات العربية والفارسية والتركية بنظرة مركزية أوروبية، على حين أنّ الأمر تغيّر مع جيل دوراكوفيتش الذي أصبح ينظر إلى هذا الإبداع باعتباره من التراث البوسنوي. ومن هنا فإنّ الجديد في كتاب دوراكوفيتش، بعد الدراسات التي ركزت على الجوانب التاريخية والفيلولوجية، هو التركيز على المقاربة الجمالية لهذا الأدب الكلاسيكي”.
في الفصل الثاني “المصطلحات الأساسية التاريخية- الجمالية في الأدب الكلاسيكي” يستعرض دوراكوفيتش بعض المصطلحات التي تتعلق بالإبداع في اللغات الشرقية والتي تغيرت دلالتها مع مرور الزمن كالأدب والصنعة إلخ. فالأدب كان في السابق أوسع مما هو يستخدم لأجله الآن، حيث إنه كان يشمل التعلّم والتهذيب والإبداع إلخ. وفي هذا السياق كان لابد أن يتناول أيضا علاقة الدين/ الإسلام والإبداع. فقد تشكّلت صورة نمطية عن نظرة الإسلام إلى الشعر بالاستناد إلى ما ورد في القرآن الكريم، لكن مقاربة الرسول اختلفت مع تقديمه البردة للشاعر كعب بن زهير تقديرا لشعره، وهي ما تحوّلت إلى مثل أعلى للشعراء العرب والفرس والترك الذين تباروا في تقليدها. لكن هذا الجانب من الدين والإبداع اغتنى أكثر عندما تحول المسلمون إلى سنة وشيعة، وأصبح لكل جانب إبداعه وشخصياته المختلفة إلخ.
ويؤكد دوراكوفيتش في الفصل الثالث “مصطلحات الإبداع والجمال في الأدب الكلاسيكي” على عدم صلاحية أو مناسبة قيام الباحث بالنظر إلى الأدب الكلاسيكي بمعايير الحاضر، ويشير إلى المشاكل التي تنشأ عن مثل هذه المقاربة في فهم الجمال في الأدب الكلاسيكي”.
أما في الفصل الرابع “نحو مورفولوجيا الأجناس الأدبية / الشكل: استقرار النظام الجمالي” فتناول دوراكوفيتش القصائد العربية القديمة (الجاهلية) باعتبارها الشكل الأصلي الذي تم منه اشتقاق أشكال جمالية أخرى في الشعر العربي والفارسي والتركي. ويرى المؤلف أن شكل القصيدة العربية كان عامل تماسك حافظ عليها من التفكك تحت ضغط تعددية الموضوعات فيها.
في الفصل الخامس “الشعر الصوفي: منعطف جمالي كبير” يعيدنا دوراكوفيتش إلى جدلية الدين والإبداع من ناحية أخرى. فبعدما أطلق الرسول مع عباءته طاقة كبيرة لدى الشعراء فإن الإبداع الشعري حظي بطاقة جديدة مع شعراء الصوفية للوصول إلى الحقيقة الدينية أو الحق نفسه. ولأجل ذلك عمدوا أيضا إلى الخيال باستلهام ما هو دنيوي ( الغزل) للتعبير عن الحب الإلهي في الشعر الصوفي الذي أصبح له أعلامه في هذا المجال.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.