كربلاء في الدراسات الأدبية الحديثة

د. علي مجيد البديري

مثَّلتْ كربلاء ـ المدينة والواقعة ـ مادّةَ بحثٍ جاذبة للكُتّاب والدارسين من مختلف الأمكنة والأزمنة، وهي قبل ذلك كانت وما تزال موضوعاً إبداعيّاً متجدّداً قابلاً للتوظيف الإبداعي والاستنطاق الفني، لِسِعَة معطيات المكان وما دارت عليه من أحداث تاريخيّة مهمّة، تعددتْ دلالاتُها وامتدّتْ، لتتجاوز زمنها وحدودها الجغرافيّة باتجاه وأُفق إنساني مفتوح.

ونتيجةً لذلك أُضيفت للمكتبة العربيّة عناوين مهمّة اختصّت بدراسة الأدب المكتوب في كربلاء، أو بنوع من أنواعه وأجناسه، وقد حظي الشّعر بعناية وافرة واهتمامٍ كبيرٍ فاق الأجناس الأدبية الأُخرى، لاعتبارات ومزايا فنيّة اختصّ بها الشّعر، وأُخرى متعلقة بسياقاته الثقافيّة، جعلته قريباً من الواقع والقارئ على حد سواء، فكُتبت بحوثٌ ورسائلُ علميةٌ وأطاريحُ جامعيّة تناولت الإمام الحسين عليه السلام في الشّعر العربي قديمه وحديثه، بالإضافة إلى دراسات ومقالات نقديّة كثيرة تناولت وجهاً من وجوه الطفّ أو حدثاً من أحداثه، أو أثراً من آثاره الكبيرة والكثيرة.

أنّ اختيار كربلاء موضوعاً للدراسة له ما لا يخفى من الأهمّيّة، فهي ظاهرة تاريخيّة مهمّة في التاريخ الإسلامي، تتجه إلى قلوب المسلمين أجمعين وإلى الإنسانيّة جمعاء في قاصية الشرق والغرب ويرى في مصرع الإمام الحسين عليه السلام أنّه يمثّل المواجهة الأزليّة الأبديّة بين الخير والشرّ، والحقّ والباطل، والإيثار والأَثرة، والتَّضحية والانتهازية، وأن ما وقع في كربلاء إنّما يعرض لنا تاريخاً لخلفاء بني أُميّة، وهو تاريخ أصحّ وأدقّ مما قال المؤرخون عنهم. ويُثير هذا الرأي الأخير عدّة أُمور تتعلق بطبيعة علاقة الشّعر بالتاريخ، وحدود التسجيل الشّعري للتاريخ، من غير أن يطغى التاريخي/الواقعي على الأدبي/ المُتخيل، غير أنّ الكتاب لا يقف عند مناقشة ذلك، ويستمرّ في بيان أهمّيّة كربلاء موضوعاً ورمزاً شعرياً، فهي مدينة طَبَّقت شهرتها الآفاق على مرّ العصور والدهور، فالمسلم يزورها للعبرة والذكرى، وغير المسلم للنّظر والمشاهدة، وهي اليوم مزار للزوّار من جميع الأجناس، وسوف يدوم ذلك لها ما دام دين الحقّ على وجه الأرض، وما دام في الدنيا عبّاد المبدأ وأنصار الحقّ والعدل، إنّ لها في التاريخ الإسلامي منزلة لا تُسامى؛ لأنّها مدينة إسلامية خالصة، فقد امتزج ترابها بدم الحسين الشّهيد، وهو من دم رسول الله صلى الله عليه وآله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.