Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

عملية نجران والاحتواء الأمريكي

إيهاب زكي

 

إنّ حالة الإنكار التي يعيشها المسؤولون السعوديون لما جرى في عملية محور نجران سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، تشي بالوصول لحالةٍ مستعصية من المرض الاستراتيجي المزمن. ولكن الواقع يقول إنّ عملية محور نجران هي فضيحة عسكرية استراتيجية وتكتيكية، وستكون كارثية النتائج على الحالة المعنوية لما يُسمى بالجيش السعودي، كما ستكون طامة نفسية على الرأي العام السعودي وكذلك الشارع السعودي. وعليه فقد عجزت كل الأدمغة الإعلامية السعودية في ابتكار مسحوق يضمن إخراج الفضيحة بشكلٍ مستساغ، ولكن تفتقت الذهنية الأمنية لمستشاري ابن سلمان عن افتعال أحداثٍ صادمة لإلهاء المجتمع والرأي العام السعودي، فتم اغتيال مرافق الملك سلمان الشخصي، ولرفع منسوب الغموض تم قتل قاتله مباشرة. وليس القتل بحد ذاته نتيجة لعملية نجران بل توقيته، فيبدو أنّ الرجل أصبح عائقاً من حيث لا يدري أمام فكرةٍ ما لابن سلمان، فقبل خمسة أشهر أطلق المعارض السعودي محمد المسعري المقيم في لندن تحذيراً ينصح فيه هذا المرافق بالهروب، لأنّ مصيره أصبح غامضاً.

وفي ذات اليوم حصل حريق هائل في محطة السليمانية للقطارات، واستغرقت عملية الإطفاء ساعاتٍ طويلة، وفي صباح اليوم التالي جاء بثّ مقابلة ابن سلمان مع قناة “CBS” الأمريكية، وهي مساهمة في سياسة الإلهاء على قاعدة ربَّ رميةٍ من غير رامٍ، ليحتفي السعوديون بقائدهم وفخرهم بعيداً عن أجواء الفضيحة. والمقابلة عموماً خاوية المضامين والمفاجآت، إلّا تلك الببغائية التي تساهم في عملية الإلهاء وما تقتاته ألسنة الذباب الإلكتروني، من قبيل اتهام إيران بالحماقة ولعب دور الصافح المقتدر معها، وهو ما نجح ولو ظاهرياً على الأقل، حيث غياب الفضيحة عن التداول في السعودية، ولكن هذا الغياب الظاهري لا ينطبق على ضباط وجنود ما يسمى بالجيش السعودي. وعلى سبيل الاعتراض هنا فمصطلح “المؤسسة العسكرية” كان سيوفر وقتاً وجهداً ومساحةً في الكتابة، ولكنه لا ينطبق على التجمع البشري فيما يسمى جيش آل سعود، فهؤلاء لا يتصرفون على قاعدة مؤسساتية، بل على قواعد ولائية وقبلية في أفضل الأحوال، وهذا ما سيجعل من هذه الفضيحة ثغرةً في هذا التجمع العسكري لأمراءٍ ناقمين على بن سلمان، كما أنّ فضيحة محور نجران لا تغيب عن العين الأمريكية وهذا هو الأهم، حيث أنّ العقل الاستراتيجي لآل سعود يقبع في أحد أدراج مكتب الرئيس الأمريكي بغض النظر عن اسمه.

أشار المتحدث باسم الحكومة الإيرانية إلى وصول رسالةٍ من الرياض إلى الرئيس روحاني، وذلك دون الإفصاح عن فحواها، ولكن التوقعات الأرجح هي أنّ العدوان على اليمن على رأس مضمون الرسالة، والحقيقة لا أعرف الجدوى من محاورة السعودية، حيث لا يملك آل سعود لأنفسهم ضراً ولا نفعاً بعيداً عن العصا الأمريكية بالسلب والحلب أو جزرة الحماية، وإيران قطعاً تدرك ذلك ولكن الأعراف الدبلوماسية والإشاعات التي تكرست كواقع عن خلافات وعداوات سعودية إيرانية تقتضي ذلك، كما أشيع أنّ العدوان على سوريا هو حربٌ التحرر من الاستعباد، كما إشاعة أنّ العدوان السعودي الأمريكي على اليمن هو حربٌ أهلية، ونتذكر هنا أنّ الإمارات اتخذت خطوة للأمام مع إيران، ثم تراجعت تحت وطأة الغضب السعودي، وعلى سبيل التحليل فالحيثيات تشي بتشدد إماراتي مقابل انفتاح سعودي، حيث أعادت الإمارات انخراطها في العدوان على اليمن، كما كتب أنور قرقاش مقالاً سرَد فيه شروطاً إماراتية تعجيزية لقبول الحوار مع إيران، فالولايات المتحدة التي لعبت لعبة الاحتواء مع إيران عبر “الجندي” الإمارات على رقعة الشطرنج، سحبت الجندي لتلعب بـ”القلعة” السعودية ذات اللعبة.

فقدت الولايات المتحدة ورقة الضغط العسكري على إيران، كما أنّها شيئاً فشيئاً ومع الرفد الروسي والانفتاح الصيني ستفقد ورقة الضغط الاقتصادي، وبعد عمليتي أرامكو ونجران يبدو أنّها ستفقد ورقة العدوان على اليمن، وهذا ما يجعل من استدراك الخسائر بالاحتواء أحكم السبُل، رغم أنّ هذه السياسة محفوفة بالمخاطر أيضاً، حيث تفاوض الولايات المتحدة وهي في حالة تراجع وأدواتها في حالة ضعفٍ وانكشاف، والإصرار اليمني على شروطه كما التلكؤ الأمريكي بدفع بن سلمان لقبول المبادرة اليمنية، جعل من محاولات حفظ ماء الوجه السعودي بنداً يستحق عناء التفاوض، وكما قال محمد البخيتي، لو أعلنت السعودية عن قبول المبادرة لأعدنا النظر في الإعلان عن عملية محور نجران، ولكن بن سلمان لا يفكر سوى بالعرش، أمّا بقية الملفات والقضايا فهي ليست من شأنه بل شأن أمريكي خالص. ويبقى السؤال الأهم قائماً، إلى متى تستمر الولايات المتحدة في لعبة محاولة الاحتواء، إلى حين وصول بن سلمان للعرش مثلاً أو لحين استبداله، أم سيظل التلكؤ الأمريكي حاكماً حتى يصبح بن سلمان وبديله تاريخاً?

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.