أشكال السرد في “فرن الخواجة” لمحمد الأحمد

المراقب العراقي/ متابعة…

يصنف محمد الأحمد كتابه “فرن الخواجة” تحت عنوان سرديات. كما ورد على الغلاف. لكن يمكن أن ترى إنه 13 قصة قصيرة، يخالف بها نفسه. والاختلاف هو القانون رقم 1 في كل نتاج محمد الأحمد. فهو ينأى في الكتاب التالي عن السابق. وإذا اعتمد في روايته (دمه) على الخطاب التاريخي من زاوية تعارض كل أشكال وأساليب المدونة، أو الذاكرة الثابتة للكتابة عند العرب، فقد اتبع في “متاهة أخيرهم” أسلوب المذكرات البسيطة. وجعل الحياة بمستوى النص. وركز بكل الفصول على خارج الشخصيات وليس على داخلها. بمعنى أنه حول روايته إلى مشاهد مألوفة وتدخل في عداد ما يسميه فوكو “نثر العالم”. وهذا بعكس ما فعل في روايته “ورد الحب وداعا”، فقد عمل النص على تجزئة الحياة وتحويلها إلى صور في مرايا. ولم يعد بمقدورالشخصيات أن تجد لنفسها أشكالا ثابتة بمعزل عن الطبيعة. كانت كل شخصية موزعة على عدة أمكنة وفي وقت واحد لتساهم، في صياغة غير مفهومة لعالم بسيط ومفهوم. ويتابع محمد الأحمد هذه المغامرة في “فرن الخواجة”*، ولا يحاكي بقصصه الواقع وإنما يساهم للتعريف به. لذلك وزع النصوص على محاور مختلفة تعبر عن تعدد الواقع الذهني والاجتماعي لإنسان هذه المرحلة. أو ما يسميه زيجمونت باومان بـ “الحدود السائلة“.

يقدم المحور الأول قصصا تأملية، منها “الحديقة الافتراضية”، ”العقل المريض بجماله”، وغيرها. وهي تسبر أعماق الشخصيات التي تبدو لنا بلا ملامح. كأنها مربع تلعب فيه الأفكار والتخيلات. وبعضها أوهام يعسرعلى الإنسان تحقيقها لكنه يأمل أن تتحول في المستقبل القريب إلى واقع. أو أقله لمنفذ خلاص من المشكلة الوجودية التي تحولت لدينا إلى سياسة. وتقترب هذه النصوص من تجربة هيرمان هيسة، فهي رواقية، وقليلة الحركة، كثيرة الثبات والجلوس. ومسرح الأحداث محدود بغرفة أو بحقل أو بشارع طويل في طريق غامض يخيم عليه الضباب والظلام. ويمكنك سماع صوت الطبيعة أيضا. فهي تشارك الشخصيات بالتفكير والكلام، كأنها مؤنسنة كما فعل هيسة بالضبط في (سيدهارتا) ثم في (لعبة الكريات الزجاجية). ويمكن أن تجد عناصر من رواية غارودي اليتيمة (من أكون باعتقادكم). فالأفكار لا تخلو أحيانا من إحالات لمصدر القيمة في الواقع. ولكن لا يمكنني القول إنها قصص فلسفية بمعنى الكلمة. فالأفكار شاركت بقية العناصر في بلورة البنية، وربما كانت تقابل دور الأشياء في قصص بوتور ورعيله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.