“النهايات البعيدة” استعادة ذكريات قديمة في طور التلاشي والنسيان

المراقب العراقي/ متابعة…

في المجموعة القصصية «النهايات البعيدة» الصادرة عن دار سنابل للكتاب، يطرح الكاتب والقاص عادل عبد الرازق مفهوماً آخر للذكريات العميقة بظلالها وأصدائها، إذ يرى أنه لا شيء من تجارب الإنسان ومواقفه ومحطات حياته يمر مرور الكرام، فما نظنه حدثاً تجاوزناه، وذكرى باتت في طور التلاشي والنسيان، هو محض واقع نعيشه مرتين، مرة حين وقوعه، ومرة عند اجتراره واستدعائه من منطقة الإيداع والحفظ، تلك التي نسميها الذاكرة. وعبر سطور القصص والشخصيات ومتن الحكايات، يقدم القاص ما يدل من وجهــــة نظره على ما يراه حقيقة،

فهو يستلهم الحــــــياة الآنية من ذلك الماضـــــي المدفون في صندوق الذكريات، حيث لا فرق عنده بين ما عشناه وما نعيشه، طالما أن محوره يتجلى في طبيعة الذات التي تعيش الحدث مرتين.

ويتخير عادل عبد الرازق من مرجع ذكرياته ومكنون ذاكرته ما يوافق طبيعته الرومانسية النازعة إلى الشاعرية، وتضمين الصور الخيالية في تجاربه الواقعية، محاولاً إسقاطها على كل الشخصيات، مجتهداً في البحث عن معطيات تؤكدها، لزوم ما يلزم لتعميم النظرية التي يهدف إلى إثباتها، وهي بقاء الذكرى في حياة الإنسان على مدار العمر، وعدم نفيها بالنسيان، ولعله جنح في كثير من صور الاستشهاد إلى ما هو أبعد من فكرة البقاء الدنيوي للحدث مقترباً من المعنى المُطلق لخلود الذكرى حتى بعد فناء صاحبها. في قصته المعنونة «الجسر» وهو عنوان دلالي له صلة بما يرمي إليه، يقدم عبد الرازق نموذجاً لفنان تشكيلي يرسم في إحدى لوحاته جسراً ممتدا يربط بين الحياة الزاخمة بالصراعات والأفكار، والأفق المتخيل للحياة الأبدية، وفي بقية تفاصيل اللوحة تتداخل الشخصيات والأجواء والألوان، وتثار عشرات الأسئلة الصعبة عن جدوى الحروب والصراعات، وازدواجية الإنسان الذي يزعم أنه العنصر الإيجابي في الكون، بينما هو أصل الصراع وأحد مقوماته الأساسية والجوهرية. ويعلق الكاتب على خواطر الفنان التشكيلية مستهجناً، حيث يصف اللوحة بأنها لغة خاصة لا يفهمها سواه، ثم يعود ليتأمل نفسه خارج اللوحة، فيكتشف أن مثله كمثل الفنان الذي يرسم شيئاً لا يعرفه، وبهذا يُفصح عن رأيه في عبثية الرؤية الفنية لحياة البشر، التي هي أكثر عبثية منها. وتتواتر عناوين القصص لتحمل ذات المفاهيم بأبعاد مختلفة فنرى ما يصوره عن الفقر والعوز في قصة «الموت جوعاً» ببلاغة تفي بالمعنى، وتكشف بدون الحاجة لمزيد من التفاصيل عن مأساوية العيش تحت خط الفقر، في عالم يضج بشعارات النهضة والمساواة وكفالة الفقراء والأيتام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.