المحنة العراقية وأسئلة المثقف التظاهري

 علي حسن الفواز

 

 وسط ما يجري من أحداث في الواقع العراقي، يأخذ الحديث عن المجال الثقافي مسارا من الصعب السيطرة عليه، والتعرّف على حمولاته وتحولاته، وحتى على أسئلته، ليس لأنّ «الثقافي» بطيء جدا في اللحاق بالسياسي والاجتماعي وحسب، بل لأن الواقع العراقي يعيش مخاضات «جيل» جديد، لم تصنعه الأيديولوجيات، ولا العصبويات، ولا حتى الانقلابات العسكرية التي استغرقت منذ عقود ذلك الواقع.

هذا الجيل الاغترابي عن الماضي، وعن عصبوية الظاهرة الدينية والحزبية، يكشف عن أفق أنثروبولوجي مغاير للهوية والفكر والعادات، وحتى للأزياء وللغة، ولكلّ ما يجعله خارج القياس النمطي، وغير ملتاث بقدسية الأفكار القومية أو اليسارية، أو الطائفية، إنه جيلٌ متدفقٌ بروح الجرأة والمغامرة، لا يمالي السلطة، ولا يخاف من عنفها اللوثياني، ولا من ذاكرة الرعب التي تركتها في اللاوعي الجمعي.

علاقة هذا الجيل بالثقافة وأنماطها الأدبية والسحرية باتت غير آمنة، وبعيدة عن التبعية وأوهام التصديق بالشعارات والسرديات الكبرى، فهو جيل بلا بيانات خادعة، وبلا كارزمات تصطنع لها نوعا من المقدس الشعري، وهذا ما يجعله أكثر تمردا واستعدادا للمواجهة، ولنزع المعاطف الكثيفة التي تورطت بها الأجيال السابقة، بما فيها معطف ماركس، أو غوغول، أو ميشيل عفلق، أو سيد قطب، إذ وجد نفسه أمام رعب الاحتلال وصعود «السلفية الإسلاموية» و»الجماعات الإسلامية» وعدوى «الربيع العربي» وغيرها من الظواهر التي قصمت ظهر الأنظمة التقليدية بخفة طبقاتها الماكرة، وبمعسكراتها وأوهامها الأيديولوجية.

مثقف هذا الجيل هو رجل الشارع، أو هو المُدوّن والبطل الرقمي، أو الكائن الذي يهجس بعلامات مغايرة تماما، حتى في لغته، وربما هو البطل العاطل عن العمل، والمُهمّش من قبل حكومات الإسلام السياسي، أو حكومات ما بعد الربيع العربي، لا شأن له بالعضوية الغرامشوية، ولا بالهوية الجماعوية، وقد يكون هو أقرب إلى «دنيوية» أدوارد سعيد، حيث الرغبة العميقة للعيش في التفاصيل، وفي صناعة الأسئلة التي تلامس الوجود، وتهجس بالأخطار التي يصنعها «العدو» الكولونيالي، أو العدو «الوطني» بوصفه عدوا عصابيا أو سلفيا أو طفيليا. حضور هذا المثقف المدهش والمُفارِق يعني طردا فاضحا للمثقف التقليدي، في عضويته الموهومة، أو في غروره، وتعاليه، مثلما يعني حضورا استثنائيا للمثقف المتسائل، النقدي، أو المثقف التظاهري الذي يمكنه أن يحتج ويرفض ويصنع الشعارات الضد.

فهل ثمة غياب واقعي للمثقف النمطي بمعناه التقليدي الثوري والأيديولوجي والعضوي؟ وهل هناك صورة واضحة للمثقف الجديد، مثقف المحنة، والهامش والقلق والبحث عن الاسئلة الفاعلة؟ وهل طرحت تظاهرات الشارع العراقي أنموذجا لسيروة مثقف الحراك الثقافي، الحراك الذي يقوده جيلٌ يبحث عن المعنى والحرية والحق، مثلما يبحث عن العمل والحب والسلام الأهلي؟

هذه الاسئلة ليست دافعا لتفكيك مفهوم المثقف على مستوى «التاريخ» والمؤسسة أو الوظيفة، بقدر ما تعني ضرورة توصيف هذا المثقف التظاهري، بوصفه أنموذجا للقوة الجديدة، القوة الخلاقة، العابرة للخصوصيات القاتلة، والمشارك بحيوية في صناعة أسئلة التغيير التي نسعى إلى إثارتها وتكريسها في واقعنا العراقي، وأحسب أن الغياب الحقيقي للثقافي، ولوظيفة المواجهة، هو الذي أعطى مبررا للحديث عن موت «المثقف المسلكي»، المسؤول عن فضائح وأوهام (الثقافات) التعويضية/ والإشباعية، التي ظلّ يمارسها البعض كجزء من الأيديولوجيا، أو العصاب، أو باتجاه فرض السيطرة على البعض الآخر، وضبط حركة الجماعات، وإعادة إنتاج السلطة العصابية والنص بوصفهما محركات لنظرية السيطرة تلك.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.