«غيم في يدي» مركزية الذات في المتخيل الشعري

المراقب العراقي/ متابعة…

 مركزية الكينونة في الشعر توازيها مركزية المعرفة في الفلسفة، لكن كيف يمكن تشكيل التجربة الشعرية، وهل هي قادرة على التعبير عن متخيلها الشعري المخصوص؟

يتشكل تاريخ الحضور لدى الشاعرة عائشة جرو – سليلة الريف – في ديوانها الموسوم بـ»غيم في يدي» عبر إدارك قلق بتاريخ الذات وبمختلف العلاقات الاجتماعية، المرتبط بما يوازي الذات التي تسامقت مع محمولات حدسها بتبصر عميق في الحياة، في ما يشبه سرديات قائمة على المجاز، وممكنات الانزياح. وتدل مختلف الوقائع على أن قراءة الشعر ليست عملا نقديا صرفا، ولا عملا تحليليا بصرامته العلمية، لأنني أفترض أن المتلقي لا ينفلت إزاء الأعمال الشعرية الرفيعة من سلطة النص، ومن سحر العوالم الشعرية، وفتنة التشكيل الشعري، وممكنات الدلالة. وبموجب هذا القول تنسج علاقة سرية بين النص والمتلقي لا ترتبط بصيغة منطوق النص، وآليات تشكيل البناء والخصائص الفنية تبعا للرسم الهندسي المحدد، ولا ترتبط بمآلات التأويل الأحادي، بل بالطريق الثالث أو الصيغة الثالثة، الناتجة عن العلاقة العاشقة بين النص والمتلقي، بما يؤشر إلى فهم للشعر وفق أنساقه المخصوصة، ونقصد بذلك تشكل المعنى وفق المرجعيات المعرفية والجمالية للشاعرة، على نحو ما نجد في قصيدة جزاء:

«استيقظ الميت/الذي وسدته حجري عمرا/كان جائعا/التهم فخديَّ». ننساق إلى البعد الأنثروبولوجي للنص الشعري تساوقا مع ممكنات المعنى، ارتباطا باللوحة الشهيرة للتشكيلي فرانشيسكو غويا. في لوحته المعنونة بـ»زحل يلتهم ابنه» وهي لوحة تشكيلية تجسد أسطورة كرونوس اليونانية الذي أكل أبناءه عند ولادتهم خوفا من الإطاحة به.

الحوارية التي يكشفها العمل الشعري تشيّد أفقها المفتوح في أكثر من قصيدة على نحو ما نجد في قصيدةّ «أقصص رؤياي على الجب» بما يحيل على المقدس الديني في سورة يوسف عليه السلام، وقصيدة «خارج الروح» التي تجعلنا نتذكر تحفة غسان الكنفاني «رجال في الشمس» والسؤال الحارق: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان». لا أحد في انتظار الشاعرة في القصائد، حيث تصل، وهي المرأة الحافية القلب بما يكشف عن وضعيات الذات، حيث يخضع التاريخ لانتقاء ليضمن فاعلية شعرية في وسط اجتماعي يتسم بقدر كبير من التحول، تساوقا مع المجازات اللغوية، وصلابة الوعي الشعري، الذي يكشف طبيعة الحياة المحسوسة. ويتوسط عالم الشعر بين الشاعرة ووجودها، وتتحول تجربتها إلى لغة ومجازات بما يسمح بإعادة اكتشاف تاريخ الذات، وفق متخيلها الشعري وتوتراته الدلالية، والعمل الشعري يرتبط في «غيم في يدي» بتجربة الذات الشاعرة، والرغبة في العودة على تاريخ هذه الذات، لا كما تشكل في الماضي، ولكن كما يتشكل في الأثر النفسي والمنطوق الذهني، وكما يتجسد في جغرافية القصيدة، والمسافة الملتبسة في السفر بين الخارج والداخل، هي ما يصنع للعمل الشعري هويته كفعل إبداعي خلاق يكشف الكائن الشعري في حرجة الزمان الدائرية.

الكتابة الشعرية في هذا العمل تطمح إلى إظهار البناءات الحسية لمحكي متخيل الذات في محاولة لفهم الكائن والعالم معا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.