“أقسى الشهور”  الموازنة بين الريبورتاجات الصحفية والمنولوجات الداخلية 

 المراقب العراقي/ متابعة…

تحيلنا رواية «أقسى الشهور» للروائي شاكر الانباري الصادرة عن دار المتوسط عام 2019 بشكل مباشر ومنذ استهلالها الى سنوات القتل على الهوية من قبل الارهابيين، سنوات الخوف والتي تطال الجميع،  قتل من أجل القتل.. وخوف يتساقط بمتواليات تحتويها الايام والشهور وهي توضع تحت مسمّى القسوة..  خوف يتصاعد من فصل الى فصل..  وكل فصل وضع تحت خانة الزمن، حيث  حزيران ـ تموز ـ  آب ـ  أيلول .. عبر هذه المتواليات  التي وضعت تحت مسمّى رئيس كبير حمل عنوان الرواية،  فهو رغم مباشرته لكنّه دالّ على المضمون، وربما يصادر مايمكن أن يتخيله القارئ،  فالذهن يذهب مباشرة الى القسوة .. قسوة الشهور التي يدخلنا منذ فصلها الاول في دوامات العنف الطائفي ..  إذ يكتشف ـ  جلال ملك ـ  الرصاصة ـ وهي موضوعة في ظرف قريبا من صندوق السيارة ..  من هنا نفهم المعنى الدال على القسوة التي تبدأ  فيها الرواية ـ  شهر حزيران ـ الذي يشير اليه (حزيران لفظ سرياني، يعني الحنطة، أي القمح، لوقوع موسم حصاده فيه)، من هذه الدلالة نفهم هل كان يعني بالحصاد في حزيران، حصاد الموت الذي شاع في البلاد الذي يشكّل نقيضا كبيرا مع المسمّى المقدّس للشهر، والذي يقف فيه أبطال الرواية ازاءه وهم يعيشون الخوف والرعب القائم على حقيقة الخراب وهو يهيمن على الوطن ولايكتفي بذلك بل يقوده نحو الهاوية عبر الطائفية والتكفير واشاعة الشر والخوف والهلع.

    يكتب لنا شاكر الانباري عبر سيناريوهات القسوة ليقول لنا بما كان يجري في بغداد وحاراتها ملتقطاً أدق التفاصيل بحرفية عالية، متخذا من منطقة «الدورة» واحيائها منصات للحديث عن شهور القسوة التي يختلط فيها دم الضحايا من مختلف الطوائف والاديان،  يقتل الجميع بدم بارد من قتلة لايعرفون الرحمة،  قتلة هيمنت اشباحهم على المشهد في بغداد وباقي المحافظات طوال سنوات الاقتتال الطائفي الذي اعقب دخول الدبابات الاميركية وبدء المحنة العراقية، قتل لم توقفه روادع الانسانية والدين،  قتل من أجل القتل.

ربما تشبه الرواية السيرة الذاتية، لأنّها تسرد بعمق قلق الذات وعدمية الوجود بفعل مايجري من خراب يصل الى ارادة مازوشية، لا لغرض تدمير الذات، ولكن لعدم وجود بديل، فهي تدمير «جلال» لذاته بسبب عقدة الخوف «الرصاصة» والهلع المهيمن بسبب «القتل العلني الذي تمارسه المجاميع الارهابية لسعد الحلاق» بطريقة بشعة وكذلك حادثة تفجير الجامع الذي يعني ضمن مايعنيه الشك المسيطر والتهديد بالموت اليومي،  ولهذا يركن التاريخ جانبا على رفوف القلق اليومي للحاضر المأزوم، ونجد هيمنة الصور المتداعية على هيئة ريبورتاجات مكتوبة بلغة صحفية عالية، ربما وهذا ما أراه ـ كان بالامكان اختصار الكثير منها حتى لاتكسر جماليات السرد في الرواية ـ

ولكن الروائي استطاع أن يوازن بين مباشرة الريبورتاجات الصحفية وبين المنولوجات الداخلية التي اضفت الكثير من الجماليات السردية، عبر الوصول الى غاية ما أراد أن يوصله وهو أن الايغال في القسوة يؤدي دائما الى الضياع والموت وهمينة المجهول المتمثل بالملثمين أو القدر الغامض الداعي الى الهروب والانفلات من هذه الدوامة نحو دوامات الضياع.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.