التنوّع الثقافي وروح النصّ

ياسين طه حافظ

عالم الكتابة يمتدّ الى عوالم، منها معرفي أو ميتافيزيقي الموروث أو المكتسب الجديد، أو العلمي أو ذلك العالم الذي يَصَنعه الظرف – البيئة: وما يفرضه التاريخ. استيعاب مؤثرات «هذه» كلها، وتتبع آثارها، أمر مستحيل. الاستحالة بسبب التنوع والحقول او المصادر. والاستحالة لانّها قد تكون متماهية مع بعضها وليس سهلاً التعيين. لكن هذه مجتمعة تشكل «عجينة ابستمولوجية» هي وراء تغذيتنا الأخيرة بأشكالها الملموسة.

هنا تبدأ صعوبة التخصص، وهنا الحاجة الى ناقد ابستمولوجي «معرفي» في جانب منه. نحن دائماً بحاجة الى توقف من إشكال، واستراحة نقدية قبل الحكم. تبدو المهمّة ليست هينة أبداً وهي تزداد صعوبة بازدياد عمق وسعة مدى القراءة وفي هذه الاحوال، النص ينتظر! يتساءل أدوارد سعيد عمّا كتبه فوكو عن روسو ان كان لتلك الكتابة أية علاقة بـ روسو؟ هي، في رأيي، لها علاقة بثقافة فوكو وإرادة فوكو – ربما لامس ثقافة روسو وهو يواصل التقدم. لكنّها عموما عمّا يريد الوصول اليه فوكو او ما يريد تأكيده! هو دخل مدخلاً معرفياً، فالقرن الثامن عشر وعموم الفكر الغربي لهما تأثيرهما في روسو. وحديث فوكو عنهما اصلاً أكثر مما عن روسو. روسو هنا، وأي كاتب او شاعر سواه، صار ظاهرة عارضة او افرازاً ثانويا من حيوية ثقافية واسعة. هو نوع مما يسميه الطب أعراضا جانبيّة .

يوما تحدثتُ مع أستاذ نقد حديث كتبَ عنّي سألته: لِمَ اخترت هذا الشاهد وليس غيره، منّي أو من غيري من الشعراء؟ خلاصة الاجوبة كانت: لأنّ ذلك اختياره! اختياره تعني: لما في النص من عائدية له! له، ليس للشاعر ولا للقصيدة..

هنا نحن أمام حالين: إكبار النقد، والحال الثانية عدم الوثوق به. وفي هذا تسليم بأنّه لا يكتب عن النصّ لكن الكتابة اكثر ما تكون، عمّا في داخله المعرفي والنفسي وربما الغائي، سراً وعلناً ونحن نلتقف ما يبزغ او يفلت من السياقات المكونة للنصّ ومن السياق العام الذي كوّنته. واذا كان لنا ما نهتمّ به بمحبة، بتشوّق، بمحاولة اقتناع او رضا، فهو روح النصّ

 وتمظهراتها.

فعلينا اذا، والحال هذه أن ننتبه دائما ونحن نقرأ نقدا بأنّ النقد قد يعيد “حال” النصّ الى وضوح معين أو يوجهه الى منطقة ضوء أخرى، خلفياتها المعرفية غير التي كانت. وان النص ضمن الحراك الاجتماعي وحراك المنظومة الثقافية معرض “للاغتصاب”، معرض للتجميل او التحوير ومعرض للتزييف او لاكتساب فضائل مزايا لم تكن في الحسبان. النقد في حال التنقيب عن المدخرات يكتسب حيوية حالة ويكتسب النصّ بفضله مجدا وتحولات غير متوقعة في المستوى. هو مجد النقد. أعني العمل المجيد للنقد كما هي أحياناً حال يتعرّض فيها نصّ للخطر. يقابل هذا كثيراً ما يُحْرَف النصّ عن وجهته حين تحظر الايديولوجية بقوة او السياسة او الاقتصاد “كمفردة يوميّة فاعلة”، وفي زماننا الميديا أو الشاشة أيضاً. مما سبق يمكننا القول: إنّ العمل خلف النصّ عمل مجيد لكنّه يبقى عملا خارج النصّ. ومسافة البعد تتوقف على البعد والسعة المعرفيين للناقد. وهكذا نحن أمام تحولات في مفهوم الشعر ومفهوم النقد وعدم استقرار هذين المفهومين. والشاعر هنا يبدو أكثر محدوديّة لأنّه ضمن ممارسة جانب كبير منها تقليدي. ومدى ابتداع انساق جديدة او تقنيات تعبير للموضوع، او في حال اكثر تقدما صناعة تقليد جديد …، صناعة هذا هو إبداع ان كان كاشفا وهو سقوط ان كان تعثرا وتخبطا في الظلام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.