“لا أحد يشبهُ حالنا” اختناقات وطن ٍفي دائرة حلم ٍ  

 المراقب العراقي/ متابعة…

لم أقرأ لشاعر مشاكس للحياة مثل رياض الغريب، مشاكس حدّ الافراط.. يبتسم بحزن ويحزن بابتسامة، يكتب لمحاربٍ توهّم الشعر وخانته الهزائم، يفكر بحياة قيد الانشاء، حياة طحنتها الحروب لتتناسل بنهار ملغّم بوطن يشبه “الغريب

لا أحد يشبهُ حالنا” عنونة المجموعة الشعرية فيها تراكمية لوجع وحزن وانكسار ذاتيّ، فيها تهشيم داخلي، وظلّ متورّم مأزوم من مخلفات يوميات تضيق في دائرة الحلم.. انه يبسط ما لديه للآخرين كشاهد على احداث تغصّ بانعكاسات مرايا، أطبق الصمت فيها على وحشة الحياة، أمنيات ذبلت وتساؤلات لم تجد لها غير نظرة باردة.

استطاع الشاعر أن يمركز شيفرة التجاعيد ضمن مدارات استقطابية جاذبة، كونها تحمل اوجاعاً لا يمكن التخلص منها وهي دلالة على الشيخوخة المبكرة التي جاءت نتيجة تأزمات نفسية حادّة شكلت اغترابات روح في فضاءات الحياة، “المقهى” هي مركز الانطلاق، والبحث والرؤية التي بدأت تكشف عن ماهيات الانكسار الباطني الغاصّ التخمة “انقطعت عن الحضور، خنقته التجاعيد، كسرت غصن روحه، غصّ بحكايته، هل لديك قبر”. كل هذه التراكيب اشارة الى الانعكاس الذاتي المتورم، لذا مال الشاعر الى جعل المتحدث: “العابرون، احدهم”، رغبة منه في هذا التوظيف الذي يكسب الجملة الشعرية ايحائية اكثر دقة.

لقد شكّلت مفردة الحرب لدى الشاعر انعكاسا يوقظ في نفسيته شحنات سلبية، فهو متخمٌ بها، حدّ الجنون والهوس، رافضٌ لمنطقها شكلاً ومضموناً، لكنه لا يمكن أن ينسلخ عنها، لأنها تركت فيه آثاراً لا يمكن له أن ينتزعها من جسده وروحه، ولا يقدر ان ينسى ساعاتها ودقائقها، فهي تزحف في عمقه الذاتي حبلى تتكوّر، دون أن يستطيع الافلات من شرنقتها، انها تراكمات ومخلفات ثقيلة وقاسية، الشاعر “الغريب” يشعرنا بارتياحه التامّ حينما يجسّ مكامن البوح، وهو يرى أنه عالمه الخاصّ الذي يعتمل في داخله، وحده قادر على رصف انزياحاته الدلالية، فكلما اقتربنا منه انفجرت فيه اختناقات وطن، هو يقف على مسافة قريبة جداً منه، يسجل يومياته دون ان يكترث لما تؤول اليه الاحداث الساخنة، وأنت تقرأ له تجد “مغامر كبير، مواطن صالح، الرئيس يقودنا، المذيع يقول”، مهيمنات اشتغالية تدفعه الى نشوة الانتصار والشعور بلذّتها، لكنها لذّة موهومة غير مكتملة، فالمواطنة أكلتها الحروب، والأبناء لم يستطيعوا الانفلات من رحاها، ودكتاتور الحرب شاخص لا همّ لديه سوى فكر مريض يغرينا بطيش الانتصار.

استطاع الشاعر أن يتحرك ضمن لغة شفيفة، ذات مجسات انسيابية متراخية، انه “السهل الممتنع” الذي مال اليه اسلوبياً، كي يمنح النصّ الشعري روحاً تعيش في منابت القارئ ، الفاعل.

يبتعد الشاعر عن ضجيج الحرب وشيفراتها الضخمة، كونه إنساناً اختبرها كمحارب خاسرٍ، ودخل في أتونها وذاق ويلاتها، فأثرت فيه بكلّ تفاصيلها، لذا حمل بين طيّاته رسالة ذلك الوجع، أنه يميل الى توثيق وأرشفة الحرب حسب رؤية شاعر متمرّس.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.