“آخر النفق” ما أُخِذَ بالقوَّةِ لا يُسترَدُّ إلاّ بالقوّة

المراقب العراقي/ متابعة…

رواية آخِرُ النَّفَق الصادرة عن (دار الفارابي) هيَ الروايةُ السادسةُ في مسيرةِ الأديبةُ العامليَّةُ  لطيفة الحاج قديح  الروائيةِ التي باشرَتْها، منذُ تسعةَ عشرَ عامًا، بِروايةِ «مواويل الغربة». وبذلكَ، تَتَوالى رواياتُها بِوتيرةِ روايةٍ واحدةٍ كلَّ ثلاثِ سَنَوات. وإذا كانَ موضوع النَّسَوِيَّةُ يشْغَلُ حَيِّزًا ملحوظًا في المشهدِ الروائيِّ العربيِّ لا سيَّما في ما تَكتُبُهُ النِّساء، وَيتَناولُ موقعَ المرأةِ في المجتمعِ الذُّكوريِّ خاصَّةً في بُعْدِهِ الاجتماعي، فإنّ «آخِرَ النَّفِقِ» تَتَناولُ هذا الموضوع من زاويةٍ مختلفةٍ هيَ زاويةُ المقاومة. وهذهِ الأخيرةُ تَتَقاطَعُ معَ النَّسَوِيَّةِ في رفضِ الظلم؛ النَّسَوِيَّةُ تَرْفُضُ الظُّلمَ الواقعَ على المرأةِ من المجتمعِ الذكوري، والمقاومةُ تَرْفُضُ الظُّلمَ الواقعَ على الأمَّةِ منَ العدوِّ الاسرائيلي. وَبِهذا المعنى، يَكونُ الاحتلالُ شكلاً من أشكالِ الذكوريَّةِ السِّياعسكريَّةِ تَنْبَغي مقاومتُهُ، كما تَكونُ الذُّكوريَّةُ شكلاً من أشكالِ الاحتلالِ الاجتماعي ينبغي التَّحرُّرُ مِنْه.

بالدُّخولِ إلى الرِّوايةِ من عَتَباتِها، نُشيرُ إلى أنّ خُمْسَ عناوينِ الوحداتِ السَّرديةِ السَّبعةِ والعشرينَ، أقوالٌ مأثورةٌ أو أمثالٌ شعبيَّة، وأنّ حَوالى نِصْفِها يَنْطَوي على مضمونٍ مقاوم، كـ:»العين تُقاوِمُ المخرز»، «الاحتلال أسير انتفاضتين»، «الأرض السمراء»، «بيادر الطفولة»، «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة»، «ما أُخِذَ بالقوَّةِ لا يُسترَدُّ إلاّ بالقوّة»، «زينة الحياةِ الدنيا»، «الأم الحانية للنضال»، «وَصَلَ صوتكِ إلى الأممِ المتَّحدة»، «آخر النفق»، و«أمنية». وهذهِ العتباتُ تُحيلُ إلى عالَمٍ مرجعيٍّ ريفيٍّ، شعبي، تَحْكُمُهُ منظومةُ قِيَمٍ تَتَرَبّعُ القِيَمُ الوطنيَّةُ على رأسِ سُلَّمِها، عَنَيْتُ بِهِ الجَنوبَ المقاوم.

يَبْقى الكلامُ على الخطابِ الرِّوائيِّ في «آخِرِ النَّفَقِ» ناقصًا ما لم نَتَوَقّفْ قليلاً عندَ رسمِ الشَّخصيَّةِ المحوريَّةِ في الرواية، فَعَلى الرَّغمِ منْ قدرةِ هذهِ الشَّخصيَّةِ على الرُّسوخِ في الذاكرةِ الجماعيةِ لارتباطِها الوثيقِ بِالعالمِ المرجِعيِّ الذي تَتَحَدَّرُ منْهُ وَتُحيلُ إليْهِ، فَإنَّ ثمّةَ هَناتٍ تَعْتَوِرُ رسمَها، فَإذا كانَ وعيُها السياسيُّ الذي يَتّخِذُ لَبوسَ الوعيِ الوطنيِّ والقومي، في بداياتِ الرِّوايةِ ونهاياتِها، بِحُكْمِ ولادتِها في حيفا، ونَشْأتِها في ميس الجبل، وتَمَرّسِها بالنِّضالِ في بيروت، ومعاصرتِها صغيرةً النكبةَ الفلسطينية، وكبيرةً العملَ الفدائي، يُشَكّلُ أمرًا طبيعيًّا، فإنَّ اتَّخاذَ الوعيِ الاجتماعيِّ لَبوسَ الطائفيةِ والحزبيةِ، في أواسطِها، يَنْحَرِفُ بِهذهِ الشَّخصيَّةِ عن مسارِها الطبيعيِّ المنسجمِ مع منطلقاتِها وأهدافِها. ناهيكَ من انزلاقِها إلى دَرْكِ التَّبشيرِ الأيديولوجيِّ طائفيًّا وحزبيًّا، في بعضِ المشاهدِ الرِّوائيَّة، الأمرُ الذي يَنْتَقِصُ من روائيّتِها، إلى حَدٍّ ما.

وبعد، لعلّ الدرسَ المزدوجَ الذي تُقدّمُهُ لطيفة الحاج قديح في «آخرِ النفق» هوَ أنَّ آخرَ نفقِ المقاومةِ هوَ تحريرُ الأرض، وآخرَ نفقِ النَّسويَّةِ هوَ حرِّيَّةُ المرأةِ / الإنسان. والتَّحريرُ والحــــُرِّيَّةُ وجهانِ لعملةٍ واحدة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.