“حمَّالة القمح ” اللغة الفارهة في الرواية التسجيلية

المراقب العراقي/ متابعة…

■ تتميز كتابات ومؤلفات أحمد عطية السعودي  باللغة الفارهة، والبيان الساحر ، والبلاغة المدهشة، والعبارة الفصيحة، والشاعرية المتدفقة، والسبك المحكم، ويميل إلى السجع أحيانًا؛ ما يجعل من القراءة له متعة وسياحة في رياض الأدب وأفنانه ، ويعيدنا إلى سالف عصور الأدب الذهبية ومجالسه البهية، ومصنفاته العظيمة، ولكن،  فإن كل ما تميز به السعودي، قد يكون مما يُؤاخذ عليه في العمل الروائي؛ لأن الرواية فن، والإفراط كالتفريط سواء في النتيجة .

حمَّالة القمح نص روائي كما تم توصيفه، والإشارة إليه من الكاتب نفسه، ومن كل من كتب عن العمل. ولو كان غير ذلك، لربما اختلف التعامل معه، أو التساهل في بعض المآخذ عليه، ولكن لا بد مما ليس منه بد. رواية «حمَّالة القمح» لا يمكن اعتبارها متخيلة، بل هي أقرب ما تكون إلى الرواية التسجيلية أو الرواية السيرية، أو هما معًا، مع بعض الإضافات هنا وهناك لسد الفجوات، وليستوي النص على سوقه، نصًا أدبيًا ماتعًا كما يُفترض. الرواية تسجيلية لأنها تعتمد على أحداث ووقائع حقيقية في معظمها، وسيرية لأنها تروي سيرة المكان (بصيرا) وسكانها، خاصة عائلة الكاتب وعلى مدار خمسة أجيال، مع التركيز على عائلة عطية، ومنها الكاتب الدكتور أحمد. وهكذا روايات تكون حساسة في الغالب، لأنها تتناول سيرة أشخاص ما زالوا على قيد الحياة، وإن ماتوا فأسلافهم لم يموتوا بعد، مما يتطلب أن يكون الكاتب حريصًا حذرًا محترزًا محترسًا.

لا شك في أن الرواية نجحت في التعريف بالمكان وهو منطقة بصيرا التابعة لمحافظة الطفيلة جنوب الأردن، وحاضرة الأدوميين الذين حكموا المنطقة في عصور ما قبل الميلاد بقرون طويلة، وتعرف القارئ جمال هذه المنطقة وجغرافيتها، وما تتمتع به من جبال وأودية وينابيع، وكروم وبساتين وحقول وحارات وأسواق وقرى محيطة، كما سردت الرواية سيرة عائلات المنطقة وعلاقاتهم، وأبرز رجالاتهم ومواقفهم، وأخذت عائلة عطية نصيب الأسد، باعتبارها العائلة المركزية في الرواية، وكتبت الرواية من أجلها أساسًا، وكل ذلك في خط زمني متصاعد. وأشارت الرواية إلى بعض العادات والتقاليد والألعاب والأطعمة والمحاصيل التي تسود في المنطقة، والأحداث التي مرت عليها أو تأثرت بها كنكبة فلسطين ونكستها، ومعركة الكرامة، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وزيارة الملك حسين، وبعض الحكايات المشهورة عن المنطقة ورجالاتها كحكاية سلامة بن إسعيد حارس الملك حسين، الذي أجبر حكومة سليمان النابلسي على الاستقالة.

أنصفت الرواية المرأة، من خلال كفاحها وصبرها، وتقدير مكانتها، وتأثيرها الكبير، وفاعليتها في المنطقة، وتقديمها على الرجال أحيانًا، وبرز ذلك من خلال النص، ومن خلال العنوان «حمَّالة القمح»، ويقصد بها والدة الكاتب «عائشة»، وقرنها بالقمح رمز العطاء والنماء والخير والبركة، الذي لا يستغني عنه أحد، خاصة سكان البوادي والقرى. وهذا التناص مع «حمَّالة الحطب» على الرغم من البون الشاسع بينهما، هو ما برع به الكاتب، حيث وظف التناص مع القرآن الكريم والحديث الشريف وغيرهما بشكل لافت في معظم فصول الرواية، دليل ثقافة واسعة، ولغة مطواعة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.