“مصائر”: فلسطين في حقائب المنافي وتجذّر الانتماء

المراقب العراقي/ متابعة…

الرواية الفلسطينية الأولى التي حازت البوكر العالمية عام 2016، هي رواية «مصائر» للروائي الفلسطيني ربعي المدهون، المعمولة وفق الذاكرة الفلسطينية حول مآسي الهزيمة – وليست النكبة كما يسميها الروائي- وحق العودة المشرفة للاجئين الفلسطينيين. وقالت أمينة ذيبان رئيسة لجنة التحكيم، بأن الرواية «تبتدع نسيجاً روائياً فنياً جديداً، يصور تحولات المسألة الفلسطينية، وتثير أسئلة الهوية وتستند إلى رؤية إنسانية للصراع. وإنها رواية ذات طابع بوليفوني مأساوي يستعير رمز الكونشرتو لتجسيد تعدد المصائر».

ويُقصد بالبوليفونية لغة تعدد الأصوات، وتم نقله من عالم الموسيقى إلى حقل الأدب والنقد. وتمتاز الرواية البوليفونية، التي يفضلها ميخائيل باختين، بتعدد الأصوات، والأجناس والأبنية، وأساليب لغوية مختلفة، بين الحوار الداخلي والوصف والحوار الخالص، والسرد بكل أنواعه، وهي ديمقراطية بحيث تترك القارئ يختار الموقف الذي يلائم بنيته الفكرية والذهنية، وبذلك تختلف عن الرواية المنولوجية ذات الصوت الواحد واللغة الواحدة، بحيث يتسم بالرتابة والتكرار والفرادة الأسلوبية، وأحادية السارد المطلق، وسيطرته على شخصيات الرواية كما يشاء.

ورواية «مصائر» تم عرضها بأسلوب سردي أدبي خاص، على شكل كونشرتو، لتذوق عمل أدبي يستعير لبنائه شكلاً موسيقياً، تنتظم حكاياته على إيقاعاته الحسية، خارجة من التجريد الموسيقي إلى فضاء السرد البسيط الواضح. يتألف من أربع حركات، وفي كل حركة شخصيتان، حيث يلتقي الجميع في الحركة الرابعة حول أسئلة الهزيمة/النكبة، والهولوكست الذي يفعله الإسرائيلي بالفلسطيني، وحق العودة.

والحبكة في الرواية تنقلنا من الهزيمة وما ترتب عليها من تهجير وتشريد الشعب الفلسطيني، واعتبار ما تبقى منهم كمواطنين إسرائيليين من الدرجة الثانية ضمن الخط الأخضر، وحق العودة للاجئين، الذي ما زال الشعب الفلسطيني يقاتل من أجله، ويعتبر من المحرمات عند الصهاينة، الذين يمارسون «الهولوكوست» ضد الفلسطينيين، علماً بأن «باقي هناك» استشهد وهو يرفع راية ضد مذابح كييف لليهود، وأن الشعب الفلسطيني والعربي عموماً لم يمارسوا «الهولوكست» ضد اليهود، ووقفوا ضد «الهولوكوست» الذي مارسه النازيين ضد اليهود. وصولاً إلى الانتماء الفلسطيني وحق الإقامة والعمل وفق حقوق المواطنة، وحقوق الإنسان.

والسرد البوليفوني المتقطع جعلنا نتعرف إلى الشخصيات المتعددة ومواقفهم. مثل جنين المترسخة في الأرض، وجميل، وفاطمة، والــ»باقي هناك» المتجذر بالأرض. كذلك عدم وجود الشعرية الروائية تجعلنا نقول مع بساطة السرد إلى عدم معرفتنا بفلسطين المحتلة، وزيتونها، وبرتقالها الحزين، أفضل من ذكر «حارة الجواريش» حيث يقتل فيها الرجال الفلسطينيون نساءهم بدافع جرائم الشرف البغيضة. كنا نتمنى أن يصدح مع صباحيات فيروز «لأجلك يا مدينة الصلاة.. أصلي.. يا قدس»، ومحمود درويش حين يغني لفلسطين ويجعلنا كأننا نعيش في ظل الزيتون الدائم الخضرة والأمل.

ثم إن الحزام الأخضر يتمدد عبر المستوطنات التي تنتشر عبر الضفة الغربية، والإسرائيلي يعتقل ويقتل يومياً العديد من الفلسطينيين. أين الموقف من السلطة الفلسطينية بعد «المصالحة التاريخية»، التي دمرت آثار دير ياسين، وأقامت متحفاً لأسماء الشهداء القادة، الذين أقاموا سلطة لا تختلف في بنيتها عن الأنظمة العربية، وتحولت منظمة التحرير، إلى منظمة متصالحة مع الاحتلال، بعد الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني الذي دمّر آمال الشعب الفلسطيني.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.