القدوم من التاريخ والموت في رواية “قيامة البتول”

المراقب العراقي/ متابعة…

 يساهم السرد في انبعاث سوريا جديدة من رحم فضاء الأزمة، بعيدا عن سوريا الطائفة، البعث والقومية، إنها سوريا الوعي، تلك التي أخرج صورتها شعبان عبود من بلدته بنش المقابلة للفوعة، في اختلافهما المذهبي، الذي أذاب سطوته الحب، ويستمر وجه سوريا يطل من جماليات السرد، ومن عمق مدنها التاريخية العريقة، إذ عمد الروائي زياد كمال حمامي إلى استلهام رؤية تتفجر منها سوريا كقطعة مقبلة من التاريخ، من عبق الأمكنة في حلب في روايته «قيامة البتول»، متكئا على التعدد الجنسياوي والثقافي والديني وتفاعلاته التي لا تخفي صراعاتها، لكن أيضا لم تبادر إلى تدمير ذاتها، لأن المشترك أكبر من أن يرسم التاريخ ببلادة على جدران لا تتكلم.

معزوفة حب صخرية:

تخترق «حلب» جوانية المعنى في الرواية لتتكلم عن مأساة الإنسان في المدينة العربية حين تغيب عنه برهة «حرية» تمكنه من استنشاق حقيقة وطن يلازمه، ولابد أن يكون كذلك، من شهقة الميلاد وحتى شخير المفارقة للحياة، هي تلك جمالية ترسيم حلب، ومن ثمة سوريا في «قيامة البتول»، إذ يعمد الروائي إلى تفعيل رومانسية/سيريالية المشهد في جملتي البداية والنهاية، لكن قبل ذلك في عتبة التصدير للرواية، يورد مقطعا من رسالة الإله بعل 5000 عام ق م: «سوريا بلدكم، أينما كنتم، وهذا حقكم، فحطم سيفك، وتناول معولك، واتبعني لنزرع السلام والمحبة: أنت مركز الأرض»، فتاريخية المنحى الوجودي لدى السوري، تنتصب صارخة بالسلام الذي لا يعني سوى الحرية، لكن شهوة التسلط تمنع المعول، وتبيح السيف كي ترتسم الحدود ظاهرة بين مكونات التعدد، التي لا يوحد بينها سوى العمل (المعول) من أجل استمرار الأرض/الوطن. يستمر القهر معتاشا على الخلاف المفتعل بين حساسيات مجتمعية وجدت لتتعايش، فالأرض منبع المحبة، وفعلا ما يحدث في سوريا يفوق الخيال، ولعل عتبة الاعتراف في الرواية، تؤكد هذا الزعم: «قد يكون الواقع أغرب من الخيال»، هذه الجملة ربما تكون مفتاحا لمعنى يتطاير بين جملتي البداية والنهاية، فجملة البداية: «ضربات إزميل ناعمة تتنزل على الرأس»، على رأس»الكتلة الحجرية»، أي أن هناك نحتا، و«عبد السلام» الشخصية الرئيسية هو النحات، فعلى طول المسار السردي يستمر الإزميل على فترات متقطعة في ترسيم تفاصيل التمثال الذي لا يكتمل إنجازه، والصخر هو مادة الوطن التي تتحرك لتشكل بنيته الهندسية وأفراحه وأشكال استمراره، والجملة في نهاية الرواية تمنح هذا المعنى واقعيته ورومانسيته الفاعلة، إذ التعب في تخليق المنحوتة الصخرية يتشكل في مشهد قرباني مؤثر: «يترنح عبد السلام فوق دمه الساخن، ونزيفه»، فما بين التخليق من الحجر فوق أرض حلب وعراك العوائق لأجل ألا يسقط الإزميل: «الذي لم ينكسر أبدا»، يتأثث المشهد الوجودي في حاضنة الوطن الذي يرسمه دفق الدم الشبيه بما تقدمه جمالية الوطن في «وردة جورية حمراء»، وهو في النهاية المعنى الجوهري لتمثلات الفعل التحريري أو العيش في كنف الحرية المبتغاة.

يتداخل المشهد الوجودي في الرواية بتطعيم التجاور الإنساني، بتمثلات التعدد، فيتشكل فضاء الرواية داخل إطار الأجناس المختلفة والثقافات المتعددة والمنصهرة في بوتقة الوطن

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.