تراجع أعداد المسيحيين في القدس بسبب الاحتلال

بقلم/ براءة درزي

 

يُشكِّل الوجود المسيحي في القدس جزءاً من تاريخ المدينة المُحتلّة وحاضرها. تشهد على ذلك الكنائس والأديرة المُنتشرة في أحيائها المُختلفة، لا سيّما كنيسة القيامة، مهوى قلوب المسيحيين من أنحاء العالم كافّة.

لكن هذا الوجود يتعرَّض إلى استهدافٍ مُتمادٍ من الاحتلال الإسرائيلي بدأ مع التمهيد لإعلان قيام “دولة إسرائيل” عام 1948، وتفاقم مع احتلال عام 1967 مع سياسة التهويد التي ينتهجها الاحتلال ليزوِّر تاريخ القدس، ويُغيِّر حاضرها، حتى يُشكِّل مستقبلها وفق رؤيته وروايته.

ألقى الاحتلال ثقل سياساته التهويدية على المقدسيين، وطالت هذه السياسات المسيحيّين الذين انخفض عددهم بشكلٍ كبيرٍ مُقارنة بما كان عليه قبل احتلال عام 1948. فوفق مُعطيات “معهد القدس لبحث السياسات الإسرائيلية”، كما وردت في كتاب القدس الإحصائي الصادر عام 2019، فإنّ عدد المسيحيين في القدس في نهاية عام 2017 بلغ 15,800 منهم 12,600 عرب، و3200 مسيحيون غير عرب. ويشكّل المسيحيون اليوم حوالى 1,7% من مجموع السكان في القدس بشطريها في حين أنّهم كانوا يُمثّلون 19% عام 1947. وتشير الأرقام إلى أنّ المسيحيين خسروا 50% من منازلهم في الشطر الغربي من القدس عام 1948، فيما صادر الاحتلال 30% من الأراضي التي يمتلكونها في الشطر الشرقي من القدس بعد احتلال عام 1967.

يتميَّز المسيحيّون العرب بنِسَب ولادة مُتدنِّية عموماً، وهو الأمر الذي كان له دور بارز في تناقُص أعداد المسيحيّين في القدس. ويُضاف إلى ذلك الاقتصاد الفلسطيني غير المُستقر، والهجرة بدافع التحصيل العِلمي أو الالتحاق بأُسَرِهم في الخارج، مُستفيدين من فتح سفارات الدول الغربية أبوابها أمامهم.

وتبقى هذه الأسباب عامّة يتشارك فيها المسيحيون في الشرق، لكن يبقى الاحتلال وسياساته القائمة على “تطهير” القدس من كلّ ما هو غير يهودي السبب الأول وراء تناقُص أعداد المسيحييّن في القدس، إذ إنّ الاحتلال يحاول أن يكون الميزان الديمغرافي في المدينة لمصلحة اليهود ليتطابق ذلك مع مزاعمه القائلة إنّ “القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي“.

احتلال عام 1948 قام على مجازر بحقّ الفلسطينيين أصحاب الأرض، من مسلمين ومسيحيين على حدٍّ سواء، فكان القتل والتّهجير وتدمير القرى وطرد أهلها منها، ومُصادَرة أراضيهم وبيوتهم؛ والمقار الحكومية، مثل “الكنيست” والمحكمة العليا”، التي أقامها الاحتلال على أراضٍ تابعة للأوقاف المسيحيّة.

وفتح احتلال عام 1967 باب التهويد على مصراعيه عبر سياسات تركّز على تقليص الوجود المسلم والمسيحي في القدس وتعزيز الوجود اليهودي الاستيطاني في المدينة بشطريها. فالمستوطنات التي أقيمت في الشطر الشرقي من القدس أقيمت على أراضٍ يمتلكها مقدسيون، والجدار الذي بدأ الاحتلال بناءه في الضفة عام 2002 يمرّ على أراضٍ يمتلكها مقدسيّون، والضرائب الباهظة التي يفرضها الاحتلال على المقدسيين تكبّدهم أعباء حياتيّة واقتصادية تؤثّر خصوصاً في التجّار الذين يعجزون عن دفع ضرائب تتجاوز مداخيلهم، ودفع ذلك عدداً من المقدسيين إلى إغلاق محالهم التجارية في القدس، ومنهم من انتقل إلى السكن خلف الجدار العازِل على جانب الضفّة الغربية.

يُضاف إلى ما تقدّم، سياسة الاعتداءات على المُقدّسات المسيحيّة التي تنفّذها السلطات الرسميّة، أو المستوطنون الذين غالباً ما ينعمون بحماية هذه السلطات التي تحرص على أن يفلتوا من المحاسبة والعقاب.

وقائمة الاعتداءات طويلة لا يمكن حصرها، ومن ضمنها فرض الحصار على كنيسة القيامة في عيد الفصح وسبت النور وتحويل الطرقات المؤدّية إلى الكنيسة في البلدة القديمة إلى ثكنة ونَصْب الحواجز لعرقلة وصول الحجّاج إليها تحت ذريعة المُحافظة على الأمن، وهذا الأمر بات يتكرَّر سنوياً في الأعوام الأخيرة.

كذلك لا تتورَّع سلطات الاحتلال عن الاعتداء على الرهبان وهذا ما شهدناه في كانون الثاني/يناير 2018، عندما اعتدت شرطة الاحتلال على أحدهم واعتقلته أثناء قمع وقفة نظّمتها بطريركية الأقباط الأرثوذكس في القدس عند باب دير السلطان القبطي في ساحة كنيسة القيامة.

ويشارك المستوطنون بدورهم في جرائم الاعتداء على المُقدّسات المسيحية، لا سيّما عصابات دفع الثمن التي تستهدف الكنائس والأديرة، وتخطّ على جدرانها عبارات مُسيئة إلى المسيح وأمّه وإلى الدّيانة المسيحيّة، أو تعمد إلى إحراقها في بعض الأحيان، فيما تمتنع سلطات الاحتلال عن مُلاحقة أفرادها بجدّيةٍ ومحاسبتهم.

ومن اعتداءات المستوطنين في السنوات القليلة الماضية كتابة شعارات مُسيئة للمسيحية والمسيحيين على جدران الكنيسة المعمدانية في غرب القدس عام 2012، وإحراق الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية في القدس عام 2015.

هذه بعض أوجه سياسات الاحتلال التي تستهدف الوجود المسيحي في القدس وتلاحق المسيحيين فيها بكلّ تفاصيل حياتهم، وتضيِّق عليهم سُبُل العيش لدفعهم إلى ترك مدينتهم؛ وقد يقول تراجعُ أعدادهم الكثيرَ عن وطأة الاحتلال عليهم، وأثر سياساته فيهم، لكن على الرغم من ذلك تبقى أجراس القيامة شاهِدة على الصّمود المسيحي في وجه الاحتلال!   

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.