رغم العقوبات الاميركية: الغاز الروسي يشق طريقه الى أوروبا

 

بقلم/  جورج حداد

 

تخوض روسيا معركة حقيقية لمد أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا بدون المرور في الاراضي الاوكرانية. وجرى مد أول خط إلى المانيا باسم “السيل الشمالي” من الاراضي الروسية عبر بحر البلطيق الى شمال المانيا. ويكفي هذا الخط احتياجات السوق الالمانية التي تعتبر من اكبر مستوردي الغاز في اوروبا. وتم تمديد هذا الخط بعد اندلاع الازمة الاوكرانية سنة 2014، وبدأ العمل التجاري في السنة الماضية. وكانت الادارة الاميركية قد عارضت بشدة تمديده وفرضت على روسيا العديد من العقوبات بهذا الخصوص. ولكن الدولة الروسية لم تتراجع وتم تمديد الخط بنجاح. وهذا شجع مختلف دول أوروبا الغربية لطلب استيراد الغاز الروسي من المانيا، ما دفع روسيا والمانيا للاتفاق على مد خط ثان باسم “السيل الشمالي ـ 2” يسير بمحاذاة الخط الاول، وهو انبوب مزدوج وسيمتد 1200 كلم في قاع بحر البلطيق، وستبلغ تكلفته 9،5 مليار يورو (ما يعادل 10،6 مليار دولار) وسيضخ سنويا 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، سيتم توزيعها من المانيا الى شتى بلدان اوروبا الغربية والوسطى. وسيمر الخط في المياه الدولية المحاذية لروسيا، فنلندا، السويد، الدانمارك والمانيا

 

وتعارض اميركا بشدة مد انابيب الغاز الروسي الى اوروبا وخاصة انبوب “السيل الشمالي ـ 2” وانبوب “السيل التركي” المرشح لان يصل الى الجزء الاوروبي من تركيا ومنها يتم التوزيع في دول اوروبا الشرقية والوسطى والجنوبية، فهي تعتبر ان توزيع الغاز الروسي في اوروبا سيزيد النفوذ الروسي فيها ويجعلها تابعة بالطاقة لروسيا. وقد فرضت اميركا عقوبات اضافية شديدة ضد روسيا وضد الشركات والبواخر الاوروبية التي تشارك في مد الأنابيب، ومنها الشركة العالمية  ALLSEAS (ومقرها الرئيسي في سويسرا) التي تشارك في مد الانابيب في بحر البلطيق، وقد توقفت هذه الشركة مؤقتا عن العمل، لمعرفة ماذا ستعمل روسيا لمواجهة واحتواء العقوبات الاميركية. وقد ادرجت اميركا العقوبات ضد روسيا في الميزانية العسكرية الاميركية لسنة 2020 وكأنما مد أنابيب الغاز هو عمل حربي. ويقول الخبراء الروس انه لا شيء سيوقف العمل في مد الانابيب. ومن المتوقع ان يبدأ العمل على المستوى التجاري في انبوب “السيل الشمالي ـ 2″ و”السيل التركي” خلال سنة 2020.

وتقول وكالة  Bloomberg الاميركية ان اميركا تعرف انها لن تستطيع ان توقف انبوب “السيل الشمالي ـ 2“.

وقد صرح الناطق باسم الكرملين دميتريي بسكوف ان روسيا ستنجز العمل بالمشروع بالرغم من جميع العقوبات الاميركية ضد روسيا وضد الشركات المشاركة في المشروع. وانبوب الغاز بين روسيا والمانيا هو جزء رئيسي من استراتيجية تصدير الطاقة للعملاق الحكومي الروسي شركة “غازبروم”. وهو يهدف الى تزويد اوروبا بالغاز الروسي عبر بحر البلطيق. وشجب بسكوف العقوبات الاميركية واصفا اياها بأنها “خرق فظ للقانون الدولي”. وعبر سناتورات ونواب اميركيون عن مخاوفهم من ان مشروع “السيل الشمالي ـ 2” سيحمل الى الخزينة الروسية مليارات الدولارات، وسيقوي نفوذ الكرملين في اوروبا في وقت يشتد فيه التوتر بين موسكو وواشنطن.

وتساهم شركة “غازبروم” الروسية بنصف تكاليف مد الانبوب الى المانيا، بينما تساهم بالنصف الاخر الشركتان الالمانيتان “Uniper” و “Wintershall”. وأكد كونسورسيوم “السيل الشمالي ـ 2” ان 90% من الاعمال قد انجز وانه سيتم اكمال العمل سنة 2020.

وصرح وزير الخارجية الروسي سيرغيي لافروف ان اميركا تعمل المستحيل لايقاف العمل بمشروعي “السيل الشمالي ـ 2” و”السيل التركي”، ولكنها لن تصل الى اي نتيحة.

 

ان الاقتصاد الالماني يعاني صعوبات منذ ازمة 2008 ـ 2009. وقد فاقمت العقوبات الاميركية هذه الصعوبات. ومع ذلك فإن المانيا لم تتخل ابدا عن المشاركة في انجاز مشروع “السيل الشمالي ـ 2“.

ويعارض الاتحاد الاوروبي العقوبات الاميركية، ولا سيما المانيا وفرنسا.

وقد ادلى وزير الخارجية الالماني هايكو ماس بتصريح عارض فيه جميع المحاولات من قبل القوى الخارجية للتأثير على السياسة الطاقوية الالمانية. وقال “ان السياسة الطاقوية الاوروبية تتقرر في اوروبا، وليس في الولايات المتحدة الاميركية. نحن مبدئيا نرفض التهجمات والعقوبات الخارجية“.

ومن جهته فإن رئيس غرفة التجارة الخارجية الالمانية ـ الروسية والمدير التنفيذي لشركة الغاز والنفط OMV راينر زييلي اعلن “ان العقوبات ضد مشروع “السيل الشمالي ـ 2” هي “ضربة موجهة ضد اوروبا والشريك الاقرب المانيا”. ودعا المانيا والاتحاد الاوروبي الى اتخاذ تدابير هادفة ضد هذه العقوبات، لان الامر يتعلق بالاستقلال الطاقوي لاوروبا.

فأولا: سيتحقق تكامل مذهل في العلاقات الاقتصادية الروسية ـ الاوروبية، لان الغاز الروسي سيجري في شرايين الاقتصاد الاوروبي بمجمله، مما سيكون له انعكاسه على السياسة العالمية بأسرها.

وثانيا: هذا يعني كسر جميع الموانع والحواجز والتابوهات امام تطوير العلاقات المالية والتجارية والاقتصادية الروسية ـ الاوروبية.

وثالثا: ان بيع الغاز الروسي سيدر على شركة “غازبروم” الحكومية الروسية عشرات مليارات اليوروات سنويا، مما سيمكن الدولة الروسية من تكوين صندوق سيادي مخصص لشراء منجزات التكنولوجيا الرفيعة الالمانية خصوصا والاوروبية عموما، بطرق مباشرة وغير مباشرة.

ورابعا: ان حصول روسيا على التكنولوجيا الرفيعة الالمانية والاوروبية، مضافا الى القاعدة العلمية ـ الصناعية المذهلة لروسيا، مضافا الى مركزية الاقتصاد الروسي بيد الدولة، سيساعد على تحقيق طفرة غير مسبوقة في الصناعة الروسية عامة، والصناعة الحربية خاصة، مما سيؤدي الى كسر مستدام (لصالح روسيا) في الميزان العسكري الروسي ـ الاميركي، نوعيا لا كميا، بكل ما لذلك من مفاعيل على الجيوستراتيجية الدولية برمتها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.