فلسفة الرشوة العميقة

 

بقلم/ أماني النداوي

 

 

 

قد يبدو العنوان قريباً من عنوان كتاب قديم قرأناه (فلسفة الثورة)، وما زلنا نصدق أن الثورات تصنع الأحلام، وتغير مصائر الشعوب، وتقضي على مفاسد الحكام، لكن تجربة البلدان المتخلفة أن ثوراتها وانقلاباتها تزيح طبقة فاسدة لتظهر طبقة جديدة أفسد منها.

وما زال جيل الآباء يتذكرون محاسن النظام الملكي ثم الجمهوري، حيث كانت التقاليد الإدارية والقانونية سائدة ومستقرة، نوعاً ما، وفي مرحلة النظام الثوري وما بعده إنهارت أغلب التقاليد والقيم، في ظل حكم الحزب الواحد والحاكم الأوحد والعائلة، وأصبحت المفاسد مشرعنة، حتى أصبحنا في حاجة لقراءة كتاب جديد عنوانه (فلسفة الرشوة) يؤلفه وينشره ويطبقه الحكام، دون خوف أو خجل، وفي نظام ديمقراطي مفترض لم يعد خبر اعتقال مسؤول كبير بتهمة الرشوة، وصدور حكم بسجنه، سوى نكتة عابرة، فعقوبة هذا المتهم ليست دليل براءة زملائه الذين يصرحون علناً (كلنا فاسدون) إلا من رحم ربك!

 الانتشار الواسع للرشوة من قاعدة النظام الإداري إلى قمته ليست مصادفة أو ظاهرة عابرة، كما يبدو، ولا بدّ أن تكون وراءها فلسفة وخبرة وتجربة، فالمرتشون يشهرون فسادهم من خلال طغيانهم وثرائهم السريع وهم في أمان واضح ويتباهون بنفوذهم، مادامت الكعكة توزع بالمشاركة والتوافق والمحاصصة، وفق قسمة الغرماء

  الرشوة نوع من أنواع الفساد الذي استشرى وانتشر في مجتمعنا في جميع مفاصله ومستوياته ودوائره، إلى جانب مظاهر فاسدة كثيرة مثل الابتزاز، والمحسوبية، والاختلاس، وكلها مترابطة في حلقات متسلسلة، لا تعرف بدايتها من نهايتها، ومن ثمّ فإنّ معالجة هذه الظواهر تحتاج إلى معجزة أو مارد عنيد، لا وجود لهما في هذا الزمان الفريد

  توسّعت هذه الظاهرة في الجهاز الإداري بخاصة، في العقود الأخيرة، خلال سنوات الحصار وما بعدها، وتفشت الرشوة بسبب شحة الراتب وتزايد المتطلبات الحياتية للموظف، وأصبحت الرشوة مشروعة ومقبولة في نظر الكثير من الموظفين الذين يشعرون بالفقر والظلم، وهم يقارنون أنفسهم بالمسؤولين الأعلى وامتيازاتهم الخرافية، حيث نرى اليوم الرشوة واضحة كوضوح الشمس، في كل مكان، وبات المواطنون لا يسمونها رشوة ويلطّفون معناها ضمن فلسفة الرشوة السائدة، فتسمى (مساعدة) أو (إكرامية) أو (هدية) لتسهيل معاملة أو تمرير صفقة، وتبدأ من معاملة بيع وشراء العقارات، حتى تجديد سنوية  السيارة أو إجازة السياقة وحتى الدخول إلى غرفة الطبيب، وقبلها دفع (الدفاتر) الدولارية في شراء منصب خطير، يقدمها الراشي ويتقبلها المرتشي دون خوف من القانون أو خشية من المجتمع!

 الرشوة سلوك مناف للقانون وفق قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 حيث يعاقب مرتكبو الرشوة بالحبس مدة قد تصل الى عشر سنوات، في نص المواد من 307 إلى 314 ويبدو مبلغ الغرامة فيها (500) دينار مضحكاً اليوم لكنه وقت تشريع القانون كان مبلغاً كبيراً، وعليه يتوجب التعديل والتشديد في العقوبة، بسبب انتشار هذه الجريمة وخطورتها، إذ يصبح الحق باطلاً، وتغيب العدالة ويشعر الكثيرون بالظلم، وهو ما يدعوهم للنقد ثم التذمر والاحتجاج.

 الرشوة وفق فلسفتها العميقة ونظامها السائد ذات أبعاد سياسية، فالسلطة السياسية الضعيفة وفرت المناخ للرشوة من خلال المحاصصة واللجان الاقتصادية وضعف الرقابة وعدم تطبيق القانون على كل الأفراد، مهما كانت صفتهم السياسية أو الإدارية، وما يقال عن بيع وشراء المناصب العليا، وذلك ما أدى الى تزايد الرشوة، وتراكم ملفاتها الهائلة في رفوف هيئة النزاهة ودوائر المفتشين العامين الملغاة، فلو فسد الوزير أو المدير في مؤسسة ما فسد كل من يتبعه إلى أصغر موظف في الهيكل الإداري، وكل منهم ينظر إلى الأعلى فيقتدي به ويقلده في محاسنه ومفاسده

لا شكّ أنّ للرشوة جذورها التربوية والاجتماعية، وهناك بيئة حاضنة مشجعة كالفقر والحرمان والجهل وضعف القانون، وقد لا تكفي العقوبات القانونية وحدها في معالجة الظاهرة، كما هي الحال في كل ظواهر الفساد، وهنا يبرز دور الأسرة والمدرسة ثم وسائل الإعلام، ودورها في كشف ملفات الفساد أمام الرأي العام بطريقة موضوعية جريئة، ومطالبة القضاء بمعاقبة الفاسدين المرتشين بصرامة وعدالة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.