“أجراس السنديان” شعرية اللون وصرخة الكلمة

المراقب العراقي/ متابعة…

يعد اللون من أهم الظواهر الطبيعية، فقد زينت به الدنيا منذ بدء الحياة، فهو يضفي نوعا من الجمال والمتعة على حياة الإنسان، والشاعر يستطيع أن يلون خطابه مثلما يفعل الرسام في لوحته. إذ تطوقنا الألوان في الحلم واليقظة، لارتباطها بكينونة الإنسان، فهي جزء لا يتجزأ من ذاكرته، وعلامة على أفكاره وأحاسيسه وانفعالاته. ويحضر اللون في القرآن الكريم للدلالة على عنصر الاختلاف بين عناصر الوجود الذي يمنحه حقيقته الأساسية يقول عز وجل: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور».

وقد احتفى الشعر العربي بالألوان، فوظفها الشعراء في قصائدهم دلالة على رفعة النسب وشرف المقام، مثل اللون الأبيض في بيت حسان بن ثابت:

بِيضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ شُمُّ الأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ

أو دلالة على بهجة الحياة والافتتان بمتعها، وهو ما رمز إليه اللون الأخضر في بيت ابن عبد ربه، يقول

أَلَا إِنَّمَا الدُّنْيَا نَضَارَةُ أَيْكَةٍ إِذَا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ

في ديوان «أجراس السنديان» تجعل الشاعرة سناء سقي النص الشعري حقلا مليئا بالرموز والدلالات، داخله يولد معنى يدعونا لنعايشه، بوصفه تجربة فريدة، فيصبح هذا العمل أثرا يخلق لدى المتلقي نوعا من التماهي مع تجاربه الفردية، وحتى الجماعية أثناء الحديث عن بعض القضايا الجوهرية مثل؛ الوطن، القضية الفلسطينية، الفقراء وأبناء الهامش، استشهاد الممرضة رزان، ليلة الطهر المقدسة ( ليلة القدر)»، ومادامت القراءة هي اللحظة التي يبدأ فيها النص بإحداث أثر ما»، فإن حدود التأويل تبدأ من ثمة برسم مساحاتها الشاسعة، في التعامل مع مختلف الشيفرات المبثوثة في ثنايا النص الشعري/ الرسالة، الذي يكتسي طابعا متشظيا بالنظر إلى مختلف العلامات والدوال التي تظهر داخل الديوان، بوصفها مفاتيح تحدد لنا اقتضاءات استراتيجية للقراءة التأويلية، التي سننظر فيها أثناء دراسة المتن الشعري إلى عنصرين اثنين:

اللغة الفردية للشاعرة «اللهاج»، التي يعرفها أمبيرتو إيكو قائلا:» نقصد باللهجة الفردية كل شيفرة خاصة وفردية لمتكلم معين» وتبدو معالم هذا اللهاج في هيمنة ريشة الرسام على اللغة الشعرية، التي تختار اللون رمزا للتعبير، وتسم الرسالة داخل النص بطابع الرمزية/ الجمالية. لذلك تعد الشاعرة الألوان إعلانا لصرخة الاختلاف، ورفضا للحياد، وانبثاقا لأعمق المعاني، من امتزاج البوح في ألوان الطيف، كلما انتصرت لغة الألوان تصير الحياة أبهى لأنها تخرج من ظلام العدم باللون، الذي ينهي عتمة الظلال ويزين الروابي والتلال

عند الشاعرة العبارات ألوان، والعبرات ألوان والأشعار ألوان، يتحدد اللون في المقطع الشعري السابق دليلا على الاختلاف الذي يحصل بين الموجودات والأشياء، وحتى المفاهيم داخل الوجود. وتتقنع الكلمات في أسطر الديوان الشعري في زي ريشة رسام، تقتبس من لقطات الطبيعة والحياة ألوان البهجة والفرح.

ويكون الشعر في عرف الشاعرة معادلا موضوعيا للرسم والغزل، كلاهما نسيج، يصوغ الجمال من ألوان الحياة، ويعيش حالات الشعور المتناقضة التي تتقلب بينها العواطف الإنسانية على مرّ الزمن.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.