استحضار الأحداث وتداخلها في “الرمل الأسود”

المراقب العراقي / متابعة…

يُقدّم الروائي أسعد اللامي في روايته الأخيرة الموسومة “الرمل الأسود”، حبكة درامية مؤلفة من مشاهد متفاوتة زمكانيا، ومتداخلة، تفصلها انقطاعات مؤقتة تُستأنف لاحقا. فهو لا يلتزم بسياق زماني امتدادي في سرد الأحداث الضمنية، تصاعديا، وإنما يداخل في ما بينها على اختلاف أزمنتها، مُكِثرا من الاستحضارات “فلاش باك” التي يسند بها تلك الأحداث المسرودة، والتي تتوارد في بعض المشتركات. إلا ان البنية الشكلية العامة لنص الرواية وموضوعتها الأساسية، تنحو صوب التصاعد الزماني التدريجي. كما انها تمنح الاستحضارات المفاجئة شرعية كبيرة، وتضعها في حكم الضرورة.

على مدى سبع ساعات أو أقل، يروي “نعيم ضايع”، الذي لم يبلغ الثلاثين عاما من العمر، أحداثا متمايزة زمانيا، شهد القسم الأكبر منها في مدينته البصرة، والآخر في محطة سفره ذي الزمن القصير في العاصمة التايلندية بانكوك، ناقلا عبر تلك الأحداث المسرودة مزيجا من أوجاع مستمرة، وقلق، واضطراب نفسي أرغمه على مراجعة طبيب نفساني شخّص لديه حالة مرضية تسمى “فوبيا اللقاء بالغرباء”، وشعور بالضياع و اللا جدوى، وذاكرة طفولة مكبلة بسؤال وجودي “من هي أمي الحقيقية؟”. وهو الأبيض الوحيد في “عكد العبيد”.

“نعيم”.. ذلك الرضيع الذي وجده “ضايع فرج ياسين” مطروحا على جادة الطريق، وأهداه إلى زوجته “تقية” التي لا تنجب الأطفال، تلقى رعاية مفرطة من أمه الثانية، إلا أن ذلك لم يطفئ في داخله جذوة السؤال عن أمه الحقيقية.

مَزيّة رواية “الرمل الأسود”، تتمثل في كونها (الرواية) سردا آنيا موجها إلى المتلقي خارج النص، يحمل في طياته وقائعَ وأحداثا ماضية غير آنية. وعلى الرغم من ثبات زمن الروي بعامة “سبع ساعات أو أقل”، إلا ان ذلك لا يؤثر في زمن القراءة. فالقارئ حالما يباشر قراءة الرواية، سيؤسس زمنا خاصا به في مخيلته، يضم إليه زمن السرد ويوائمه معه، ويُخضعه له، ما يمنح النص الروائي عمرا غير محدد، لا سيما انه يحمل رسالة إنسانية خالصة، تستمر ما استمر الإنسان في الوجود. فهناك الوجع، القلق، الخوف، المرض، الانفعال، اللا جدوى، وكلها تمثل ظواهر إنسانية غير متناهية، وكل تلك الظواهر كانت حاضرة بقوة في متن السرد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.