لبنان 2019.. ضغوطات أميركية هائلة لا تُضعِف العهد والمقاومة

 

بقلم/ أ. محمد الحسيني

 

استهلّ العام 2019 بمخاض صعب تمهيداً لولادة حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري. وكان التصلّب سمة التعاطي الذي أبداه الحريري خلال مشاورات التأليف، ولا سيّما في رفضه تمثيل نواب اللقاء التشاوري بمقعد الوزير السنّي، وإقفال أبوابه أمام أي معالجة معتمداً أسلوب تقطيع الوقت والهروب إلى الأمام وتأجيل حل المشكلة، في رهان على تغيّرات داخلية أو خارجية تفرض واقعاً جديداً يمكّنه من فرض شروطه في صياغة شكل الحكومة وتحديد أطرافها وتوازناتها. وبرّر الحريري هذا التعنّت بأنه لا يريد “تزعّم حكومة بأي ثمن وبلا ضوابط سياسية تقوم على الشراكة والتوازن، كما لا يحبّذ حكومة يكون لحزب الله فيها اليد الطولى، لأن هذا الأمر يقحمه في اشتباك سياسي مع المجتمعَين الدولي والعربي، وهو ليس من النوع الذي يسلّم رئاسة حكومة لغيره”. وبعد نحو ثمانية أشهر على التكليف رأت الحكومة النور، وهي الخامسة والسبعون بعد الاستقلال، والثانية في عهد الرئيس ميشال عون، والثالثة التي يرأسها الحريري، وصدرت مراسيم تشكيلها في 31 كانون الثاني 2019، وضمّت 30 وزيراً بينهم أربع نساء للمرة الأولى، وعكست تمثيلاً متوازناً للقوى السياسية، وتوزيعاً متكافئاً للحقائب الوزارية.

استدرج هذا التشكيل موقفاً أمريكياً مستنكراً عبّرت عنه وزارة الخارجية التي دعت الحكومة الجديدة إلى ضمان ألاّ توفّر موارد الوزارات وخدماتها دعماً لحزب الله، أمّا مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي الذي زار بيروت محمّلاً بحزمة تهديدات وشروط على الحكومة، فأعرب عن امتعاض إدارته من حصول حزب الله على حقائب في الحكومة ولا سيّما وزارة الصّحة، لأن هذا الأمر “يظهر الحزب بموقع القوي”، على الرغم من حملة العقوبات التي تشنّها واشنطن على المقاومة في لبنان، وكرّست السفيرة الأمريكية في بيروت إليزابيث ريتشارد هذا الموقف بالتحذير من أن “العقوبات الأميركية ستطال أي وزارة يشارك بها حزب الله أو يكون مسؤولا عنها”، مؤكدة أن بلادها “لن تقبل اليوم بعدم مواجهة حزب الله بذريعة الحفاظ على الاستقرار”. ووفق النغم نفسه، هاجم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو الحكومة التي “يسيطر عليها حزب الله” بحسب قوله، فيما اعتبرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن حزب الله “نجح بمناورته الجديدة في الحصول على ثلاث وزارات أبرزها وزارة الصحة“.

 

استطاع حزب الله كسر الفيتو الأمريكي على تمثيله في الحكومة وتسلمه حكومة وازنة، ورفع شعاراً رئيسياً عنوانه مكافحة الفساد  والفاسدين وصولاً إلى استعادة الأموال المنهوبة ومعالجة ملفي النفايات والكهرباء وتأمين نظام طبي مناسب للمواطن اللبناني، مؤكداً على أن تكون الحكومة محلّ خدمة للناس وتمارس الإدارة السياسية الصحيحة، فهي ليست للمكاسب الشخصية أو الطائفية أو الحزبية، وأن وزراء حزب الله سيقدّمون النموذج في الأداء الحكومي، كما أعطوه سابقاً.

في ظل المستجدّات السياسية الداخلية قررت الإدارة الأمريكية الدخول المباشر على خط العرقلة والتأزيم، فأوفدت مطلع شهر آذار مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد إلى لبنان، تمهيداً لزيارة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى بيروت، وجهدت في تزخيم الضغط الأمريكي على الحكومة اللبنانية للتشدّد في تنفيذ العقوبات على حزب الله بهدف خنقه سياسياً ومالياً، وحرص ساترفيلد على ربط هذا الضغط بحزمة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، لا سيما في أعقاب “مؤتمر وارسو” الذي عقد تحت عنوان مواجهة النفوذ الاقليمي الإيراني. والتقى ساترفيلد قوى 14 آذار سعياً لإنشاء لوبي يصعّد ضد حزب الله في موازاة الهجوم الأميركي في المنطقة، وكانت لهجته خلال اللقاءات التي أجراها مرتفعة وحادّة، مستخدماً لغة الوعيد والتحذير، والتأكيد على “ضرورة الحدّ من تأثير حزب الله في السياسات الحكومية”، موضحاً أن “المعركة مع الإيرانيين وحلفائهم في المنطقة قد فُتحت، وكل الأسلحة صارت مباحة حتى لو أدّى ذلك إلى زعزعة الاستقرار اللبناني”، ولم يغفل ساترفيلد إبلاغ من التقاهم “استياء” إدارته من الموقف الرسمي اللبناني، ولا سيما تماهي الرئيس ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل في مواقفهما مع حزب الله.

إذاً هي هجمة أمريكية – غربية منّسقة على حزب الله، رسمت لها الإدارة الأمريكية أجندة واضحة هدفت إلى شيطنة الحزب أولاً بتصويره عامل تهديد لاستقرار لبنان والمنطقة والعالم، معتمدةً سياسة متعدّدة الأضلاع لحصار المقاومة سياسياً ومالياً واجتماعياً، مع التشديد على عدم فصلها عن سوريا وإيران كمحور معادٍ للولايات المتحدة. وفي المقابل سعت واشنطن إلى محاولة الفصل بين حزب الله من جهة وبين رئيس الجمهورية وحلفائه من الأحزاب السياسية من جهة ثانية مستخدمة سياسة الترهيب والترغيب آملة إلزام الحكومة اللبنانية بالانضمام الى هذا النهج، وتحويل حزب الله الى حزب سياسي أعزل. ولخدمة هذا الهدف نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية بتاريخ 15 حزيران تقريراً زعمت فيه أن “حزب الله كثّف أنشطته خارج الحدود الجغرافية اللبنانية، لتصل إلى مختلف مناطق الشرق الأوسط”، وأشارت إلى إحباط ما أسمته “مؤامرات خطط لها حزب الله في 3 قارات، هي أميركا الجنوبية وآسيا وأوروبا”، وتوقعت “وصول أنشطة حزب الله المشبوهة إلى الولايات المتحدة نفسها“.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.