تداخل العوالم المتخيلة في ديوان «متلبسة بالتراب»  

المراقب العراقي / متابعة…

إن قراءة ديوان «متلبسة بالتراب» للشاعرة نادية القاسمي، وهو ديوانها الثاني والصادر عن بيت الشعر بالمغرب 2018، تحتاج إلى دليل فطن للسباحة في العـــــوامل المتخيلة، الممكنة وغــــــير الممكنة، على اعتـــبار أن الشاعرة تتــــوفر على معجم خاص يتميز بالديناميكية والحركية، إذ إنه يبتعد عن الطابع الساكن والجامد للمعجم.

ومن هنا تأتي الخصوصية المتفردة للشاعرة نادية القاسمي التي تتحرك في الواقع وتتشبع بتفاصيله وفسيفسائه، متنقلة من واقع الواقع إلى الواقع المتخيل.

فمن الواقع المتخيل تستقي أشعارها بأن تضفي عليها ما سماه رومان جاكبسون شعرية الشعر، أي ما يخرج الشعر من الطابع المعجمي إلى الطابع الشعري المتفرد والمنفلت، الذي يبعث على القراءة والتأويل، حيث إن اللفظة تنبعث حية كفنيق من ركام الرماد لتبحث لنفسها عن تركيب يناسبها، والتركيب بدوره يبحث عن تعبير هو الرذاذ الذي يكسي اللغة ويعطيها رونقها.

إن هذا العمل الشعري يثير في القارئ مجموعة من الأسئلة والقضايا الفكرية. وهذا هو الدور الذي ينبغي على المبدع أن يقوم به، لأن الشاعرة وهي تكتب أشعارها، تستحضر القارئ الذكي وتجعله مشاركا معها في ملء الفراغات وتعبئة البياضات بما يناسب وعيه وثقافته. ومن هنا تأتي أهمية الشعر المستفز المقلق القائم على رؤية الحياة والمستقبل.

إن ديوان القاسمي، يدخل في إطار قصيدة النثر، وهي قصيدة تجمع بين ما هو شعري وما هو نثري، لأن الذي يميز الإنسان المبدع عن الإنسان العادي هو اللغة كما قال الجاحظ، لذلك فالشاعر يستطيع أن يميز نفسه عن باقي المخلوقات بابتكار واختراع لغة خاصة به.

وكذلك من العتبات يظهر دور المبدع وتميزه، فعنوان الديوان هو «متلبسة بالتراب»، وكأن التراب أصبح تهمة تحيط بالإنسان، والشاعر يريد أن يتخلص من هذا الغطاء أو العار الذي يحيط بنا جميعا، وتريد أن تخلق عوالم أخرى متخيلة لا يشعر بها إلا الشاعر.

إن الشاعرة تستقي هذه العوالم المتخيلة من الواقع ذاته قبل تحويلها إلى عمل فني شعري. فالذات الشاعرة هنا، هي إنسان كباقي المخلوقات، تتحــرك في الشارع، تلتقط تفاصيل هذا الشارع وفسيفسائه وأحاسيسه ومشاعره، فتنقــــلها من هذا العـــالم المحسوس المرئي إلى العالم الآخر، عالم اللامرئي، وهو العالم المتخيل.

أما المعجم الذي اعتمدته الشاعرة في هذا الديوان، فهو معجم متداخل مع ريشة التشكيل، مادامت الشاعرة فنانة تشكيلية كذلك، ويظهر ذلك في العناوين الدالة التي اختارتها سمات دالة على قصائدها، مثل: (ألون هبوب العاصفة) و(يقظة المتاحف) و(ألوان متدافعة)… وكأن هناك فورانا يندلع من الذات الرسامة إلى الذات الشاعرة، فتحاول المبدعة نادية القاسمي، التحكم فيه وتخرجه عبر بوابة الرسم بالكلمات، التي تتناغم فيها المقاطع الشعرية مع دلالاتها الموحية والمعبرة.

لقد استفادت الشاعرة في ديوانها هذا من الموروث الثقافي والإنساني، معتمدة على مجموعة من الأساطير، تعيد القصيدة إحياءها، كالفنيق الذي يخرج من وسط الرماد ليصبح قصيدة تأخذ القارئ إلى عوالم الشـــاعرة المليــــئة بالحـــياة والأمل، وكأنها تعطي للحياة معنى وللإنسان قيمة، وتقودنا عبر لوحات مرسومة بالكلمات، إلى فسحة المحبة والآمل.

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.