ماذا بعد الحماقة الأميركية ضد الحشد الشعبي في العراق؟

بقلم/  عادل الجبوري

 اعتداء أميركي جديد على الحشد الشعبي، استهدف بالتحديد مواقع تابعة للواءَين الخامس والاربعين والسادس والاربعين في قضاء القائم قرب الحدود العراقية – السورية، تسبب باستشهاد وجرح العشرات من منتسبي الحشد، من بينهم قيادات ميدانية مهمة.

هذه هي الصورة الاجمالية لما حصل مساء الاحد – الاثنين (29 – 30) وهي بلا شك ليست الأولى من نوعها، بل انها تكررت مرات كثيرة بسيناريو واحد وبأدوات ووسائل متماثلة أو متشابهة، علمًا أنه في بعض المرات دخل الكيان الاسرائيلي على الخط، في تطور غير مسبوق باتجاه توسيع نطاق المواجهة والاستهداف.

 مع ذلك فإن هناك ما هو مختلف في صورة الاعتداء الاميركي الجديد عن صور الاعتداءات الاخرى السابقة، يتطلب قراءة اكثر دقة، واستشرافًا للخطوات اللاحقة التي يمكن أن تأتي كردة فعل على ما حصل.

  في هذه المرة كانت التحضيرات والاستعدادات والتهيئة من قبل مراكز القرار السياسي والعسكري والاستخباراتي الاميركية، كبيرة جدا، وتبعتها عملية تقييم ودراسة عميقة على ما يبدو لما يمكن ان تؤول اليه الامور بعد الاعتداء، فقد عقدت اجتماعات عالية المستوى بإشراف الرئيس الاميركي دونالد ترامب نفسه، ومؤتمرات صحفية لكبار المسؤولين في ادارة ترامب، ومن بينهم وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الحرب مارك اسبر، وقيادات عسكرية وأمنية رفيعة، اعترفت جميعها بالاعتداء وطرحت جملة مبررات له.

لذلك فإن واشنطن وجهت باتخاذ أقصى قدر من الاجراءات الاحترازية، لا سيما ما يتعلق بالسفارة الاميركية في بغداد والقنصليات الاميركية المتواجدة في عدد من المحافظات العراقية، وأصدرت تحذيرات مشددة الى رعاياها في العراق من احتمال استهدافهم ونصحت بعدم السفر الى هناك، ناهيك عن اخلاء عشرات او مئات الموظفين المدنيين من داخل السفارة.

   ولعل هذه الاجراءات الاحترازية، وطبيعة التعامل الاميركي بعد الحدث، يعكس ارتباكا واضطرابا وقلقا حقيقيا من تبعات ما حصل، ويمكن تلمس ذلك الارتباك والاضطراب والقلق بين ثنايا تصريحات الجنرال مارك كيميت، الذي قال من بين ما قاله في تصريحات صحفية “لا نبحث عن قرع طبول الحرب، في الحشد الشعبي مقاتلون ابطال قدموا تضحيات عظيمة في الحرب امام داعش، ندعوهم ان لا يكونوا اداة بيد ايران وان يلعبوا دورا ايجابيا في عراق ما بعد داعش”، وفق زعمه.

 وسيزداد مستوى الارتباك والاضطراب والقلق الاميركي، بنسبة مطردة مع اتساع نطاق ردود الافعال الرافضة والمنددة بالاعتداء على الحشد. وبينما كانت ردود الفعل في حالات سابقة مماثلة تقتصر على اطراف الحشد والجهات القريبة منه والمتعاطفة معه، فإن ردود الفعل على الاعتداء الاخير شغلت مساحات واسعة جدا، فالرئاسات الثلاث-عادل عبد المهدي وبرهم صالح ومحمد االحلبوسي- نددت واستنكرت، والقوى السياسية الممثلة في البرلمان فعلت الأمر نفسه، وشخصيات وكيانات من مكونات ليست من نفس فضاء الحشد، استهجنت وأدانت بقوة ما قامت به واشنطن، واكثر من ذلك فإن مواقف شديدة وواضحة صدرت من ساحات التظاهر، أعلنت دعمها ومؤازرتها للحشد الشعبي، ورفضها القاطع للاعتداءات والتجاوزات الاميركية الصهيونية، ولا شك أن مواقف ساحات التظاهر تنطوي على دلالات ومعان هامة، ينبغي التمعن بها طويلا.

وعلى نطاق أوسع وأشمل، فإن مواقف الرفض والاستنكار والتنديد امتدت الى مساحات اقليمية ودولية، لتعكس مدى وحجم التجاوزات الاميركية، في ذات الوقت الذي سارعت فيه بعض الاطراف الاقليمية، كالنظام البحريني (المتماهي مع الموقف الاسرائيلي)، الى الترحيب بما قامت به واشنطن، من باب التشفي بإيران وحلفائها واصدقائها في العراق، وكذلك “اسرائيل” التي اعتبرت الاعتداء الاميركي الاخير على الحشد، نقطة تحول في طبيعة ومنحى الصراع في المنطقة.

وفي حين دفع ذلك الاعتداء الى تبلور موقف سياسي وشعبي عام رافض للسياسات الاميركية، ولكل اشكال ومظاهر الوجود العسكري الاميركي في العراق، تعالت مجددا وبنبرة اعلى واكثر حدة الاصوات المطالبة بالغاء الاتفاقية الأمنية المبرمة مع واشنطن، وبتشريع قانون من قبل البرلمان العراقي يقضي بإنهاء الوجود الأجنبي في البلاد، ويبدو أن الامور ستسير بهذا الاتجاه هذه المرة بشكل مختلف عن السابق.

وثمة شيء آخر، يعد مبعث قلق وتوجس أكبر بالنسبة لواشنطن وحلفائها وأتباعها، يتمثل في امكانية واحتمال اتساع نطاق المواجهة، من خلال استهداف المصالح والقدرات والمواقع العسكرية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة و”اسرائيل”، حيث إن الترويج من قبل صناع القرار الاميركي بأن المستهدف من وراء تلك الضربات هو ايران، يحتم عليهم أن يضعوا في الحسبان ان مساحات وميادين الصراع والمواجهة والرد لن تنحصر في الجغرافيا العراقية، خصوصًا وأن هناك استهدافات مماثلة للمقاومة الاسلامية اللبنانية، وحركة انصار الله اليمنية، ولاطراف سياسية وعسكرية في سوريا، ناهيك عن الاستهدافات الاسرائيلية المتواصلة لحركات المقاومة الفلسطينية والمدنيين في قطاع غزة ومدن فلسطينية اخرى.

بعبارة أخرى مختزلة ومختصرة، يمكن القول إن واشنطن، بعد حماقتها الأخيرة ضد الحشد الشعبي، ربما ستواجه أوضاعًا حرجة وخطيرة للغاية، ترغمها على البحث عن مخارج مناسبة من أزمة خانقة، تشير مجمل الوقائع والمعطيات الى أنها آخذه في التمدد والاتساع، مخارج تجنبها خسائر ومخاطر واستحقاقات ثقيلة ومرهقة، وسوف تكون عليها أكثر إرهاقًا وثقلًا فيما لو فكرت بالذهاب بعيدًا في اللجوء الى القوة العسكرية، وهذا الخيار قد لا يكون مستبعدًا جدًا في ظل وجود نزعات وعقليات متهورة وانفعالية وطائشة في البيت الابيض ومراكز القرار الاميركي الاخرى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.