في ذكرى رحيله .. السياب صنع التاريخ الشعري بوعي أسطوري

 نادية هناوي

  يلتفت شاعر معاصر إلى ما في هذا المنبع الثرِّ، الذي تمثله الأساطير من مديات وفضاءات، مثلما التفت إليها السياب منتصف القرن الماضي، صانعا تاريخه بوعي أسطوري جعله يملك التأثير الشعري والفاعلية الإبداعية، وبهما صار شعره نفسه منبعاً يمد المبدعين بأساليب الأسطرة وموئلاً منه يستقي الشعراء طرائق التأسطر التي بها يعطون لتجاربهم صوراً رمزية، تستمد من بساطة البدائي ما به تتمكن من فهم تعقيدات الزمن العصري، مستوعبة ترسبات تركتها ذاكرة اللاوعي الجمعي عن أساطير الآلهة والأبطال، التي ترسخت في أذهان البشرعبر الأجيال، وتراكمت بشكل حي حاضر ومتجدد. وهو ما وظفه من بعد السياب شعراء العربية المعاصرون بشكل جليٍّ وعبر طريقين: الأول طريق التوظيف الشعري للأسطورة القديمة، والآخر طريق التوظيف المؤسطر للقصيدة الشعرية.

وقد برع السياب في انتهاج هذين الطريقين اللذين يفضيان عنده إلى محصلة جمالية واحدة فيها الأسطورة روح تركيبية ومضمون إنساني، فيه يصبح الشعر عالما أسطوريا وفضاء ينبع من داخل اللغة لينتهي بها، منصهرا في وعاء احتوائي فيه تجربة الشاعر مصوغة بطريقة لا تقليدية تحويلية، وبأجواء مرمزة بالذاكرة ومتشكلة بمعطيات دينية وتاريخية امتزجت بالأسطورة فاستمدت منها القصيدة سموها وحيويتها.

وهو ما وظفه ت.س. أليوت في شعره، مولعاً به أشدَّ الولع، ومن ثم سار على طريقه شعراء إنكليز وأوربيون. وهم بلا شك مدينون له كونه حرك في مخيلاتهم كوامن طاقات شعرية ذات معطيات أسطورية عميقة وجمالية. وقد حذا بدر شاكر السياب حذو أليوت، ناهلا من الأساطير، لكنه تجاوز أليوت حين عرف كيف يضع يده على أساطير فيها يجد المحركات النابضة بالعفوية، والممدة بالطاقة التي تشحن تجربته بكل ما هو جمالي، وتقف أسطورة نرسيس في مقدمة تلك الأساطير، التي أعاد السياب إنتاجها مؤسطرة بطاقة تعبير تنم عن ذائقة شعرية بمديات مفتوحة من التشكيل والتعبير، بهما تفرد السياب، مبتدرا للحالمين أمثاله من شعراء العربية مجالات للتخييل والتهويم. والسؤال لماذا هذه الأسطورة؟ إلأن نرسيس اتهم بالأنانية والكبرياء، وعشق الذات، والنفور من الآخر، وجمود العاطفة وعدم القدرة على الحب؟ أم لأنه يوم اكتشف أن الصورة المنعكسة على صفحة الماء لم تكن غير صورته ثار وغضب حانقا على نفسه أن يكون صاحب الصورة، وأخذ يضرب صدره بكفيه المرمريتين فغابت الصورة وغاب صاحبها؟

عموما لم يكن السياب وحده المأخوذ بهذه الأسطورة، فقد اهتم بها وتأويلاتها القدماء كأفلوطين ودانتي والنقاد الغربيين المحدثين كفرويد وبول فاليري وباشلار وجوليا كرستيفا.. فأمّا أفلوطين فقد ركز على جهل الذات، وأن عيب نرسيس يكمن في جهله أن الصورة المنعكسة في الماء ليست إلا صورته، ما ولّـد تشظـي الصورة وضبابيتها وتعددها، في حين عـدَّه دانتي رمزاً للأنانية والكبرياء، والمنبع الذي رأى فيه صورته مكاناً للزيف والفناء وانَّه ضحية رؤيته الخاطئة.

 وبأسطرة السياب للأسطورة أعني إعادة إنتاجها شعريا من جديد، تصبح القصيدة بين يديه سيريالية وقد تكون رومانسية أو رمزية، بحسب الانتهاج الذي به طوع السياب الأسطورة لتخدم نصه محققا الأدلجة الفنية المناسبة لمادته القولية، التي يمشكلها قالب قصيدة التفعيلة، حتى تبدو الأسطورة في أغلب قصائده كأنها من صنعه وابتكاره هو، مقدما عبرها تجربته الشعورية الذاتية في صورة رمزية وموضوعية تُهندس الذات هندسة جمالية، معطية لها بعداً مثاليا أو مظهرة لها بمظهر واقعي يشي بسموه وهيمنته، والشاعر فيها يبدو كأنه هو نفسه أسطورة في قصيدته. ولو افترضنا جدلاً أن الذات أسطورة حاضرة في عملية التشكيل الثقافي وأن الشعراء مبدعو أساطير في مختلف المجتمعات والثقافات، فعند ذاك سيكون لكل شخصية شاعرة طريقتها في تشكيل أسطورتها، وفي حل مشاكل الحياة وقيم المجتمع ووضع الاستنتاجات التي هي أشبه ما تكون بالتطهير الأرسطي، فإن الذات السيابية ذات متحكمة في الكيفية التي بها تصنع من الأسطورة أداة تجعل القصيدة وكأنها آلة تفريغ شعوري، تستبدل الانفعالات المعيقة والمؤسلبة بالمؤثرات الفاعلة التي تصبها صبا جماليا في ذهن المتلقي لها.   

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.