التاريخ وأزمة القراءة 

علي حسن الفواز

 بات البحث عن المنهج أساسيا في تأصيل قيمة القراءة، وفي إخراجها من أزمتها، ولتيسير قبولها بالنقد بوصفه مجالا معرفيا، وممارسة لتحرير النص من مركزيات التفسير أو التأويل، لاسيما تلك التي ارتبطت بمركزية السلطة، أو مركزية الأيديولوجيا والطائفة والجماعة، أو مركزية الاستشراق، وهذا ما أعطى لمنهجة الحفر عند أركون قوة دافعة، ليس لطبيعة هذا المنهج بأصوله المرجعية الحادة عند فوكو وحسب، بل لكونه منهجا يستقرأ ما هو عميق في بنيات «المقموع والمسكوت عنه» وهي بنيات قاتلة في اللاوعي الجمعي الإسلاموي. وهذا التحديد أسهم الى حدٍ ما في استخلاص نتائج معرفية مهمة، لكنها للأسف لم تكن فاعلة في توسيع مديات المنهج، أو حتى في أنسنة القراءة، لأنّ الدرس التاريخي ظل محاصرا بالهاجس الديني والسيروي، ولم تكن مقاربته لعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنفس والفللوجيا فاعلة ومؤثرة، بما جعل هذه «الاستخلاصات» محصورة في إطارها الأكاديمي والنخبوي، وهو ما يعني تفريغ النقد من أهميته، والفلسفة من جدواها، والمنهج من ضرورته في التنظيم والتأطير.

إنّ نقد السلطة لا يقل أهمية عن نقد التاريخ، ونقد السياسة ليس بعيدا في ضرورته عن نقد الاجتماع، فكلا النقدين يتطلب وعيا بشروط التأسيس، وبأهمية معرفة العناصر الحاكمة للقوة والخطاب والمعرفة بمعناها الفقهي، فضلا عن معرفة المتغيرات الكبرى التي مسّت طبيعة المكان والمؤسسة الإسلامية، ومنها مؤسسة الحكم والفقه، فضلا عن المكان في سياقه الجغرافي، أو في سياقه المقدّس، فالتحولات التي حدثت في «الدولة الإسلامية» بما فيها الفتوحات أسهمت إلى حد كبير في تغيير مفهوم «الحيز» ومفهوم «الأمة» و»اللغة» وتغيير علاقة الاجتماع بالسلطة، وبقدرة هذه السلطة على فرض خطابه على الجميع بالقوة والصرامة والقدسية نفسها.

اهتمام أركون بمنهجية فوكو كانت محاولة لـ»علمنة» قراءة التاريخ، والتعاطي معه بوصفه منجزا، أو واقعا، أو مجالا للتفكير والحكم، فضلا عن كونه مجالا لسانيا، وخطابا تداوليا، وهذا ما أعطى للمنهج الحفري بُعدا وظائفيا في القراءة أولا، وفي البحث داخل الخطاب ثانيا، وفي إعادة مقاربة المفاهيم ونقدها، وبكلّ ما يخص «المسكوت عنه» لاسيما ما يتعلّق بالجنس والمقدس، وبالنص القرآني ذاته.

اشتغالات فوكو الحفرية أعطت لأركون حافزا نقديا لمواجهة النص وتاريخه، وكذلك السلطة وتاريخها، وعبر ترسيم خطوط واضحة للقراءة العلمية التي قوامها النقد، عبر علاقة تلك الاشتغالات بالمعطيات التي تخص إنتاج المعرفة، وعبر إمكانية إقامة الصلة بين المفاهيم بوصفها الفلسفي وطبيعة النص الخطابية، وتنمية الحسّ التأويلي عند القراء، وباتجاه إقامة الجدل حول طبيعة المعرفة، وتهيئة الأجواء المناسبة لإثارة أسئلة جديدة، أسئلة تخصّ الوعي، والحرية من عقدة الخوف اللاواعي، ومن عقدة المركز السلطوي والفقهي، والتي يمكن الخروج بها بوصفها مُخرجات للوعي، وللخروج من عصابية التاريخ ذاته، أي التاريخ المدرسي والسلطوي والفقهوي.

إن أهمية النقد في مشروع أركون تكمن في تلك المقاربة الفوكوية، وفي مساحة الجدل والنقاش والحوار، التي اتاحتهما لمواجهة رعب أزمة القراءة، ورعب مواجهة ما هو خفي في «السيميائيات الإسلاموية»، بما فيها الرمز والأيقونة والعلامة، التي بات العقل الشعبوي يبتكر لها «فضاءات» كبرى، تدخل عبر قراءات افتراضية للنصوص التأسيسية، أو عبر الشخصيات بدلالتها العقائدية أو الطائفية، أو الموروثة في اللاوعي الجمعي.

إذا كانت مقاربة عمر مهيبل لأطروحات محمد أركون تقوم على رفض «البديهية العربية التي تزج به داخل الفضاء الثقافي العربي، دونما برهنة مقنعة عدا استغلال العنصر النوستاليجي في المسألة كونه جزائري المولد» فإنّ ذلك لا يعفيه من ممارسة خطابه النقدي، على أساس أنه فعل معرفي ذو مرجعيات غربية، ولا أحسب أن ذلك تهمة، فأغلب ما ورد في دراساتنا التاريخية ارتبط بالدراسات الاستشراقية، وبالمناهج الغربية، وحتى دراسات ما بعد الكولنيالية، والدراسات الثقافية والنقد الثقافي، لم تكن بعيدة عن هذا المجال، لاسيما تلك التي قاربها كثيرا أدوارد سعيد، وأن انخراطه في الممارسة النقدية الغربية، لا يعني عزله عن ممارسة دوره الفاعل في نقد العقل العربي، وفي التساؤل عن «أين هو الفكر العربي»، وإضاءة جوانب مهمة من القراءات القرآنية و»الإسلاميات التطبيقية» كما يترجمها مهيبل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.