محمد الكاظم: رأيت كيف يعيش العراقي على شفا قذيفة مدفع او صاروخ طائرة F16  

 المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

عندما فاز القاص والإعلامي محمد الكاظم بجائزة الإبداع العراقي في مجال السرد عن قصته الموسومة “لا تقولي لأمي أن مير لم يصل”، والتي تناقش حالات إنسانية في المجتمع العراقي,  وعبر الكاظم عن فرحته عقب فوزه بالجائزة وماتعني له قائلا: “الفوز بمثل هذه الجائزة يعني الكثير لي ولا سيما انها معنية بالإبداع العراقي.

(المراقب العراقي) التقت محمد الكاظم في حوار شيق وخرجت منه بهذه الحصيلة :

مارأيك بهذه الظاهرة الجديدة الأولى من نوعها التي نظمتها وزارة الثقافة؟ وماتاثيرها على المسيرة الثقافية في البلد؟

منذ العام 2003 وإنا اتحدث عن ضرورة اطلاق عملية ثقافية توازي العملية السياسية لتؤثث مشهد التغيير عبر سلسلة كبيرة من الفعاليات الثقافية.وتحمي العقل العراقي من السقوط في فخ التطرف. فأنا من الذين يعتقدون ان بناء ثقافة رصينة يحمي المجتمع، لان الحروب المعاصرة هي حروب افكار وليس حروب بنادق فقط. القوى الناعمة سلاح قوي لم نجد بعد استخدامه ولم نحصن مجتمعاتنا ضد الغلو والتطرف والإرهاب. لكن لم يكن احد مستعدا للاستماع الى مثل هذه الطروحات في ظل الاقتتال على الاستحواذ على اكبر حصة من كعكة الوطن والتواجد على خرائط السلطة والثروة، كنت أتحدث كما يتحدث غيري عن اهمية الثقافة في ترصين وتعميق الوعي بالوطن والمواطنة وتكريس قيم العدالة الاجتماعية واحترام الانسان والسلام المدني. اقامة مثل هذه الجائزة تخرج في تقديري عن اطار التنافس بين ادباء وفنانين للحصول على لقب الجائزة. بل ترتقي لتكون رسالة للعالم أجمعهـ مؤداها ان هذا الشعب الطيب المعطاء يحمل حبا للحياة رغم مناخات الحرب والأوضاع الاقتصادية والاحتقان السياسي وغيرها من المشكلات، بمعنى ان اقامة مثل هذه الفعاليات هو انتصار على قوى الارهاب والتخلف والبشاعة. هذه الفعالية وغيرها هي عناوين تقود الى معرفة المعدن الحقيقي للعراقيين الذي لم تكسرهم الظروف والمحن. فمثل هذه الجائزة تؤسس لقيم الخير والعطاء، وتتيح مجالا لتنافس على صعيد المنجز قد يؤدي الى احداث حراك في اوساطنا الثقافية خصوصا ان لدينا اجيالا من المبدعين الذين يزخر بهم هذا البلد.

توج إبداعك في السرد بفوزك بجائزة الإبداع عن قصتك (لا تقولي لامي آن مير لم يصل)، مالذي حفزك على كتابة هذه القصة؟ وهل الكتابة عندك تبدأ عند الاحساس بقلق اتجاه حالة مجتمعية معينة، وماهي؟

كنت من الذين شهدوا سقوط تمثال الدكتاتور في ساحة الفردوس عام 2003، وعشت لحظات التحول الكبير كما عاشها جميع العراقيين. وعشت تفاصيل الوجع اليومي، عشت مرارة الحروب والحصارات وشممت رائحة البارود والديناميت والدم المتخثر وديزل القطارات المسائية. اقتربت من الجماجم التي تخرج من المقابر الجماعية لأعرف اخر احلامها قبل ان تهيل الجرافات عليها التراب، حاورت عوائل ضحايا غاز الخردل واستمعت الى انين الجبل وأهات النخل. تحدثت مع السجناء ومقطوعي الايدي ومصلومي الاذان ومجدوعي الانوف. سمعت صرخات نساء يفقدن ازواجهن في انفجار السيارات المفخخه. ورأيت اليتم يخيم على الوطن مثل غيمة ثقيلة، رأيت امهات يجمعن اشلاء ابنائهن التي مزقتها الاحزمة الناسفة. ويبحثن في ثلاجة الطب العدلي عن ولد صادف انه يحمل الهوية الخطأ في المكان الخطأ. مر عليّ الجوع والبرد والأمل والانكسار والفرح، مر الحصار والحرب وفقدان الاخ والصديق .رأيت حرب الاخ لأخيه، وسمعت الاناشيد والقصائد والسباب والتصريحات والهوسات والشتائم. وتابعت مسيرة الانين منذ اول نوّاحة سومرية في تل العبيد حتى “قومن بنات النبي” لباسم الكربلائي. رأيت الجثث المنتفخة في العراء. ورأيت السرطان والغرغرينيا وتلف الصمام التاجي والكآبة الحادة وهي تتمشى في شرايين الوطن، سمعت اذاعات الحكومة واذاعات المعارضة قرأت كتبا مستنسخة وبيانات مهربة ومقاطع مرسلة عبر واتس آب. ورأيت ماذا تفعل عبوات الـ C4 بأجساد عمال المساطر حين تنفجر. رأيت صور الذبّاحين وقاطعي الرؤوس. ورأيت الجنرالات وسدنة الايديولوجيا ولاعبي سيرك السياسة ودراويش العقائد وبهاليل الشعارات وصانعي الاصنام وباعة الكلام والنفط والوعود، رأيت المجانين والمرتشين والمناضلين والخونة والأفاقين والسماسرة. ورأيت قلق عابري الحدود والمتسللين بين خطوط الخريطة. شعرت بوخز سني العمر وهي تفر من المهاجرين. وشعرت بحنين الغرباء يملأ غرفهم ويظهر في الروح شيبا لا تمحوه الاصباغ. ورأيت كيف يعيش العراقي على شفا قذيفة مدفع نمساوي او صاروخ طائرة F16، او عبوة غاز السارين، او قذيفة الـكاتيوشا، او اطلاقة من قناصة شتاير. رأيت قسوة الطبيعة على العراقيين وعرفت كيف يشوي الصيف اجسادهم وعرفت كيف يغرق الفقراء حينما تمطر السماء وعرفت كيف يلتهم البحر اجساد المهاجرين. رأيت بهاء الجنوبيات الذي جففته الحروب قبل جفاف الهور. ورأيت الدم يسقي نبتة الكعوب كل هذه اللحظات ابطالها من البشر بالطبع، وأنا اكتب بأستمرار عن هؤلاء. واعتقد ان كل انسان عراقي يمكن ان يكون مادة لعمل ادبي لو وجد من يزيل الغبار عنه . ماجرى في العراق –ومايجري- هو خميرة لملايين الاعمال الادبية. لو استخدمنا الادوات المناسبة. فهل بعد كل هذا الوجع والدم والدمع والخوف والأنين والصبر تريدينني ان لا افوز بجائزة؟ كل عراقي جدير بجائزة كبيرة لتحمله ما لا يطيقه احد غيره. ربما جائزتنا الكبرى كعراقيين هي ان نرى بلدا مستقرأ وآمنا يعيش فيه الانسان بخير وامان وكرامة وحرية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.