الرواية الفلسطينية بين الغربة والاغتراب

 رشيد سكري

تظل الرواية ظاهرة مثيرة للجدل، لا على مستوى البناء الحداثي الذي تصبو إليه، من خلال أعمال رائدة وحسب، بل على مستوى المضامين أيضا، التي تؤلف بين بنياتها، والقضايا الحاسمة والمصيرية، التي تتشكل من داخلها. فإن كانت الغاية التي تطمح إليها هي خلخلة واقع موبوء ونفض الغبار عن مصير أو انتماء، فإنها، بذلك، تشغل بال الفكر، وتؤرق الواقع أيضا، بل تذهب إلى حدود أن تلامس الوجدان الإنساني، مادامت المعاناة قضية شاملة للوجود ككل، بما هي ـ أي المعاناة ـ خيط ناظم، على امتداد التاريخ الثقافي والفكري، لكل التجارب الإنسانية. والحديث عن الرواية، كتجربة إبداعية، نطل من خلالها على رمزية الوجود في أسمى معانيه، فضلا عن استبانة، أمام ضمير العالم، حق تقرير المصير الفردي والجماعي، خصوصا إذا ما انفتحت الرواية على تجربة الآخر، من خلال نقلها إلى لغات أخرى بفعل الترجمات، التي غالبا ما تتفنن في صيد وانتقاء مفرداتها، وعباراتها السابحة في ماء الحكاية. فمن بين الروايات العربية التي تتقلب في وجداننا و تقض مضاجعنا، بل تنغص الضمائر الحية، وتجعلنا أمام شلال من الأضواء الكاشفة للذات وللآخرين، الرواية الفلسطينية.

في الأدبيات الحديثة والمعاصرة، ارتبط الإبداع الفلسطيني عموما بالمقاومة، كشكل من أشكال إثبات الذات، والحضور الفعلي الدائم في الساحة الثقافية والفنية، العربية وغير العربية. المقاومة بالأدب لم تثبت جدارتها، في الساحة الثقافية، إلا بعد ما تمَّ احتلال فلسطين، في منتصف القرن الماضي، من طرف الصهاينة، فبات من الواضح جدا أن نجد هذا الإبداع يقاوم من أجل العيش والكرامة والوجود والهوية. فتدبير مسألة الهوية، مثلا، ولمِّ الشتات في الثقافة الفلسطينية، لم يعد مرتبطا فقط بالخيال الإبداعي، وإنما اكتسح كل الروافد المعرفية والعلمية، الطامحة نحو خلق جبهة مقاومة حقيقية، تقف ندا أمام سياسة طمس وإقبار وتدمير الثقافة الفلسطينية. لقد كان الكيان الغاشم يدرك، آنئذ، مدى فعالية تغيير البنية المجتمعية والثقافية، بفعل ترحيل قسري للسكان الفلسطينيين، وتهجيرهم خارج الوطن. كما أن المقاومة بالثقافة والإبداع، ظلت تؤرق الكيان الصهيوني، وشوكة في حلقه ردحا من الزمن. فما كانت قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم سوى جمرات متقدة ولافحة على الطريق؛ تقاوم بإرادة متحررة من كل أنواع الحيف والظلم، وتكشف ألاعيب الغاصب الغاشم.

إن هذه المقاومة، التي أبداها الأدب الفلسطيني، تدافع عن حصون الثقافة العربية العريقة، إما بالعودة إلى تلك المنابع الطاهرة من تاريخ الأدب العربي، لإثبات وتأصيل الهوية للأدب الفلسطيني، وبذلك تقف كالطود العظيم، أمام سياسة التهجين والذوبان في ثقافات وافدة مع الكيان الصهيوني، وإما التوفيق بين ما هو عريق، وفي الوقت نفسه التطلع إلى ما هو حديث، بدون التفريط في هوية الشعب الفلسطيني. وأمام هذه الإشكالية في تاريخ الأدب العربي، نجد بالمقابل أن التأريخ الجديد لأهم الإبدالات الثقافية، في مختلف فنون الأدب، يبدأ مع نكبة الاحتلال، وسياسة تهجير الفلسطينيين، ليعيش الأديب تجربة الضياع والبحث عن وطن بديل، حاملا معه هموم وطنه الأسير. ففي مثل هذه الظروف العصيبة، التي يمر منها الشعب الفلسطيني، أكد يحيى يخلف أن الرواية الفلسطينية تأثرت، إلى حد كبير، بهذه الاضطرابات والإحباطات الخطيرة، ومن ثم أصبح الروائي الفلسطيني يبحث عن لغة جديدة، بل عن شكل جديد في أفق مرحلة تتسم بالضيق، وقمع الحريات الفكرية والسياسية. وغير خاف علينا أنه في هذه الظروف ستسعى الرواية الفلسطينية إلى فتح جبهات النضال والثورة، وتلتصق بهموم الإنسان الفلسطيني والعربي. وفي ضوء ذلك، أخذت الرواية سكة الكفاح الوطني، فجاءت أعمال كل من إميل حبيبي وغسان كنفاني، بالإضافة إلى توفيق فياض وأفنان القاسم ورشاد أبو شاور وغيرهم، تتغنى بالأمل في الحياة، وحق العودة إلى الوطن السليب. فبهذه الخامات الأدبية الرفيعة، استطاع الأدب الفلسطيني أن يجد له موطئ قدم في الساحة الثقافية العربية وغير العربية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.