أميركا تعزل نفسها

بقلم/ جورج حداد

 

 

في الاسبوع الماضي تلقت القيادة السياسية والعسكرية الاميركية ثلاث صفعات جيو-استراتيجية كبرى هي:

1ـ إعلان روسيا عن إطلاق صاروخ مجنح قابل لحمل جميع أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة النووية، سرعته تبلغ 27 مرة  ضعف سرعة الصوت. اي انه صاروخ لا يمكن لأي صاروخ مضاد أن يتبعه ولا يمكن لموجات أي رادار جوي أو بري أو بحري أن “تلتقطه” وتلحق به. وقد كشفت روسيا عن هذا الصاروخ بعد أن بدأ انتاجه التسلسلي ودخل “في الخدمة”. وهذا يعني أن جميع بنوك الأهداف الأميركية أصبحت تحت السيطرة التامة لهذا الصاروخ الروسي عالي الدقة، بالإضافة الى جميع الأسلحة الروسية الأخرى.

2ـ أطلقت الصين الشعبية صاروخًا كونيًا هائلًا، هو الأول من نوعه لديها، ويحمل عددًا من الأقمار الصناعية. وأعلنت عن عزمها استخدام هذا الصاروخ لبناء محطة فضائية كونية صينية، ولنشر شبكة من الاقمار الصناعية، التي يمكنها أن تقوم بجميع المهمات الاستطلاعية والعلمية والاتصالاتية التي تقوم بها الأقمار الصناعية الاميركية حاليا، والحلول محلها، وتقديم خدماتها لجميع بلدان العالم، بدلا عن الخدمات الاميركية.

3ـ قامت كل من ايران وروسيا والصين بمناورات بحرية ـ جوية ـ صاروخية مشتركة في قطاع واسع من المحيط الهندي وبحر عمان، قبالة مضيق هرمز. واستمرت المناورات 4 ايام. والجدير ذكره هنا ان الصين تمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي على مدخل البحر الاحمر. وكان هدف هذه المناورات وضع مضيق هرمز ومضيق باب المندب تحت السيطرة، مما يجعل جميع القوات الاميركية والحليفة لها في الاقليم بمثابة رهائن لكل من الدول الثلاث الحليفة. وصرحت المراجع المختصة أن هذه المناورات لن تكون الأخيرة. وقد وقعت اتفاقات عسكرية وامنية بين الدول الثلاث بعد نهاية المناورات.

ان هذه الصفعات تجعل أميركا تفكر 10 مرات قبل ان تقدم على أي عدوان شامل على أي من الدول الكبرى الحليفة الثلاث: روسيا والصين وايران. ومن هذا المنظور، ستندم أميركا على العمل الارهابي الذي قامت به تحت جنح الظلام باغتيال القائد الايراني الكبير الفريق قاسم سليماني والقائد العراقي ابو مهدي المهندس.

 

ولم يبق أمام أميركا سوى اعتماد استراتيجية الحرب الاقتصادية والتجارية، وهي تمعن في فرض أقسى العقوبات المالية والجمركية والتجارية ضد الدول الثلاث: روسيا والصين وايران.

وبالرغم من الصعوبات الاقتصادية التي سببتها سياسة العقوبات لهذه الدول فان أميركا لم تستطع التوصل الى أهدافها الرئيسية، من أجل تحسين وضعية اقتصادها المأزوم. فقد فشلت في منع ايران من تصدير النفط، كما فشلت في منع روسيا من تصدير الغاز الى اوروبا وفشلت في الحد من  التوسع التجاري والمالي للصين على نطاق العالم باسره.

وهذا ما يدفع أميركا الآن للاتجاه نحو شن الحرب التجارية ضد الاتحاد الاوروبي، من أجل تأمين مصالحها الضيقة على حساب مصالح الدول الاوروبية. ولا تستبعد اميركا امكانية فرض الرسوم الجمركية على الاجبان والخمور الاوروبية المستوردة الى اميركا. وهذا ما اعلنه وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو في تصريح لقناة  Sky TG24.

وتستغل اميركا وضعها المهيمن في النظام المالي العالمي من أجل التوصل الى أهدافها السياسية، وهذا ما يثير الاستياء لدى الدول الاخرى.

وفي المرحلة التاريخية الراهنة يوجد مركزان عالميان يمكن لكل منهما ايجاد أنظمة دفع مالية بديلة للوقوف بوجه العقوبات الاميركية. أحد هذين المركزين هو الاتحاد الاوروبي الذي يمتلك العملة الاوروبية (اليورو)، والمركز الثاني هو الصين بقدراتها التجارية والمالية الهائلة.

وتقع الشركات الاوروبية اكثر من غيرها بكثير تحت طائلة العقوبات الثانوية الاميركية، أي العقوبات على خرق العقوبات الاميركية ضد روسيا وايران والصين. وتدفع الشركات الاوروبية مبالغ كبرى للخزينة الاميركية مقابل هذه العقوبات.

وقد احتدمت المواجهة بين الشركات الاوروبية والدوائر الاميركية خصوصا بعد خروج اميركا من “الاتفاقية النووية” مع ايران، التي كانت قد وقعت في 2015. اذ انه بعد توقيع الاتفاقية شرع عدد كبير من الشركات الاوروبية في العمل داخل ايران او معها. وقد اصطدمت هذه الشركات مع الادارة الاميركية بعد خروج اميركا من الاتفاقية وفرضها العقوبات على ايران والدول والشركات التي تتعامل معها.

وردا على ذلك عمد الاتحاد الاوروبي الى تطبيق نظام مدفوعات بديل يحمي الشركات الاوروبية من الوقوع تحت مقصلة العقوبات الاميركية الثانوية، اي العقوبات التي تطال الدول والشركات والاشخاص الذين يتعاملون مع ايران. وقد أدى ذلك الى أن شركات اوروبية كبيرة كانت تعمل في ايران أوقفت أعمالها فيها وغادرتها.

ونذكر هنا أنه في العقد بين سنة 2009 و 2019 فرضت اميركا العقوبات على 191 شركة و10 اشخاص والمجموع 201 طرف وقعوا تحت العقوبات الاميركية. وبلغت المبالغ الاجمالية للعقوبات رقما ضخما هو 5,6 مليارات دولار. ولكن المدفوعات الفعلية هي اكبر من ذلك، لانه في الكثير من الحالات والى جانب عقوبات وزارة المالية الاميركية كان يوجد ايضا مدفوعات جزائية لوزارة العدلية الاميركية ووزارة التجارة وغيرهما.

وتعتبر ادارة ترامب ان ايران ينبغي أن تنفذ العديد من متطلبات واشنطن (المتضمنة في البنود 12 لمايك بومبييو) والتي تعني عمليا الاستسلام الكامل لايران في السياسة الخارجية. وأخطر ما طرحته ادارة ترامب هو تخفيض تصدير النفط الايراني الى الصفر. وقد فرضت ادارة ترامب العقوبات على جميع مستوردي النفط الايراني.

لكن الدول الأخرى الموقعة على “الاتفاقية النووية” مع ايران عارضت تماما هذه الحملة الترامبية. ورأى الاتحاد الاوروبي انه من الضروري حل الخلافات بالطرق الدبلوماسية. ولكن الادارة الاميركية رفضت ذلك وتابعت فرض العقوبات على الشركات الاوروبية التي تتعامل مع ايران.

وقد حاول الاتحاد الاوروبي ان يحل هذه المشكلات بطريقتين:

الاولى ـ الدفاع عن الشركات الاوروبية التي تعمل مع ايران.

والثانية ـ ان تبدي تأييدا دبلوماسيا لإيران والطلب اليها ان لا تخرج من الاتفاقية النووية بالرغم من الاجراءات الاميركية.

ويعمل الاتحاد الاوروبي لتفعيل نظام مدفوعات عالمي بديل، من شأنه ان يعزز سيادة واستقلال اوروبا. وقد عبرت عن ذلك بشكل خاص تصريحات وزير الخارجية الالماني هايكو ماس ووزير الاقتصاد والتجارة الفرنسي برونو لومير.

ان سياسة الهيمنة المتهورة التي تنتهجها الادارة الاميركية في الجبهة التجارية، المالية والاقتصادية والسياسية، اقل ما يقال فيها انها سياسة بلطجة دولية تهدف الى تكريس الهيمنة الاميركية في النظام المالي العالمي. وهذه السياسة هي انعكاس للازمة المالية ـ الاقتصادية العميقة والمستدامة داخل الولايات المتحدة الاميركية. ولكن نهج البلطجة الدولية لا يقود الى حل الازمة الاقتصادية الداخلية الاميركية ولا الى تدعيم الهيمنة العالمية لاميركا بل على العكس يزيد من عزلة اميركا واضعافها على الساحة الدولية. وقد أدى هذا النهج حتى الآن الى:

اولا ـ دفع الدول المناوئة للولايات المتحدة الاميركية، كروسيا والصين وايران، الى تعميق التقارب والتحالف فيما بينها، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، والتوجه نحو تشكيل محور موحد معاد لأميركا.

وثانيا ـ زيادة وتعميق هوة الخلافات بين الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها التقليديين وبالأخص الاتحاد الاوروبي.

واذا استمرت الادارة الاميركية بالسير على هذا النهج، فأنها تغامر بالوقوع في فخ العزلة الدولية الخانقة، والشرخ في الداخل الاميركي ذاته، وخصوصا الشرخ على الأساس الاثني والديني بين الكتلة البشرية اللاتينو ـ اميركية الكاثوليكية والكتلة الانجلو ـ ساكسونية البروتستانتية التي تحكم اميركا والى جانبها الكتلة اليهودية التي تتحكم بالمالية الاميركية وبمصير اميركا كلها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.