حميد الربيعي: مصيبة الكاتب العراقي والعربي أنه يتحرك في حقول ألغام مازالت فعالة

المراقب العراقي/القسم الثقافي…

بنية الخطاب السردي في العمل الروائي تتعامل في تقنياتها بمستويات مختلفة في الممارسة الدالة الإنتاجية، حيث تلتقي وتتشابك فيها الأنا (ذات المؤلف) مع ذات الكاتب السارد، هذا من جانب، ومن جانب آخر تنطوي هذه البنية على ضرورة الوعي بالتاريخ، مع توفر رؤية فنية تتولى إعادة صياغته وتدوينه من جديد. من هنا يأتي منطلق حوار(المراقب العراقي) مع الروائي حميد الربيعي.

هل يمكن أن تكون الرواية بالنسبة للكاتب بمثابة تصفية حساب مع العالم؟ أم أنــها عملية مخاتلة للاعتراف؟

يا ليت هذا يحصل، بل إنها فتق للجروح، فالأحداث والشخصيات والأزمنة تصير حية، وتطالب بحقها في الوجود اليومي، بمعنى تبدأ تعتاش مع الكاتب بكل تفاصيل حياته.الأنكى من هذا أن تلك الشخصيات والأحداث سوف تفتق الكوامن عن أزمنة سبق للمؤلف أن حاول طيها عبر النسيان، أو التراكم في أسفل ذاكرة ممتلئة، بمعنى جلبها للآني، سيقود حتما إلى إشكالات من تلك التي توجع الدماغ، فمهما حاول الكاتب تجنب منطقة الاحتكاك هذه، فلابد أن تطل في أي صورة تشاء، كأن تكون على هيئة مقاربة أو انزياح، بيدها أنها ستظل في النهاية على هيئة كتاب، فتح توا، وعلى الكاتب تسديد ما فيه من ذمم تجاه التاريخ والحياة  تبقى الرواية في النهاية محاولة لمجابهة الوقائع والأحداث التي تمر.

هل الفشل في كتابة الرواية سيرافق من لا يملك تجربة حياة طويلة؟

بالتأكيد، لا يمكن أن تدرك كنه الحياة، بدون الخوض في سجالها، ذلك الاحتكاك المباشر مع الوقائع ومن ثم اختمارها وتبلورها وتشذيبها، ثم امتلاك ناصية إعادة تكوينها، فالتجربة تخلق لدى الكاتب إمكانية التجريد، وهي خطوة مهمة في إعادة تخيل الحياة، من خلال تجريد المشاهد اليومية من كل ما علق بها من حكايات جانبية أو رتوش واختزانها كفكرة مجردة.

كل رواية فيها قدر معين من السيرة الذاتية للكاتب، متى تصبح السيرة الذاتية عامل فشل للروائي؟

متى ما طغت السيرة على مكونات الرواية وتقنيتها وأصبحت الهاجس الذي يشغل بال المؤلف ويجعله المسبار لسير العملية السردية، هذا الطغيان من السهولة عدم أدراكه لدى الكاتب غير المتمرس، إذ يتراءى له إنه يكتب سردا مميزا، لكن في الحقيقة أن ذاكرته تضغط باستمرار نحو البوح الذاتي، وكأنه لا فاصل أو تمييز بين مكونات الحكاية، وتلك السيرة. الإشكالية صعبة، بيد أن إدراكها هو الأهم في كتابة الرواية، لأن السيرة سوف تسيِّر حوادث الرواية باتجاه المبتسر من يوميات المؤلف، بينما الرواية تتطلب الرسم الهندسي لأحداثها وشخوصها وأزمنتها وأماكنها، وهي التي غالبا ما تمحى من السيرة، إذ تصبح الحكاية الذاتية الشخصية هي المعيار الذي يقود حركة الأشياء، في حين تتطلب الرواية أحيانا التوقف أو الانتقال بالسرد من صورة إلى أخرى، أو من زمن إلى آخر، بينما في السيرة تهيمن الذات وسيرتها على السرد.

كيف يمكن إمساك الحد الفاصل بين ما يحدث في النص الروائي والواقع التاريخي العياني، من قبل المتلقي وكذلك من قبل المؤلف؟

القارئ الفطن يدرك بالضرورة تلك الفروقات الطفيفة أو العميقة بين الاثنين، ما سيدفعه إلى إدراك هدف المؤلف. قد تكون بعض الوقائع غائبة عن ذهن القارئ وستحتم عليه الأخذ بما يطرحه المؤلف، كمسلمات بأنها حقائق تاريخية، من هنا تتأتى الصعوبة، بيد أن المؤلف من جانب آخر عليه أن لا يوقع قارئه في منطقة الالتباس هذه، فهو بهذه الحالة سيصبح أحد مزوري التاريخ، ولإزالة الإشكال، لابد له من خلال السرد الفصل بين ما هو تاريخي وما هو متخيل، بمعنى آخر: هل المؤلف يسحب ما هو تاريخي إلى المتخيل أم العكس؟ أعتقد أن مهارة الروائي تتجلى في هذه الخاصية، التي يدرك المؤلف سلفا مقدار الإجادة والمران اللتين امتلكهما في طريقة إعادة خلق تلك الحوادث فنيا.

حاولت التخلص من سطوة التاريخ والتلاعب بحكاياته بما تمليه المخيلة وما يطلبه السرد الروائي. وقد فعلت هذا بشكل مكثف في رواية “دهاليز للموتى” وبأشكال متنوعة في كل من رواية “أحمر حانة” ومجموعة “بيت جني”

الكاتب الغربي ليس أمامه حدود يقف عندها، بينما الروائي في المنطقة العربية أمامه الكثير من المحاذير، هل يمكن أن يكون ذلك عامل دفع له حتى يبتكر أساليب فنية لاجتياز الممنوع؟

مصيبة الكاتب العراقي والعربي أنه يتحرك في حقول ألغام مزروعة منذ أزمنة قديمة ومازالت فعالة، بينما وعيه وكتابته تتطلب تحريك الساكن في هذه الحياة، مما يجعل الصدام واقعا لا محالة في أي منعرج يخوض به، وبسبب تكشف مكنونات الحياة لم تعد التورية والمواربة مفيدة، كما كان يستعملها الكتاب في بدء عصر التنوير، فالسلطة، أي سلطة، لها من الإمكانية بأن تراقب مثل هذه الخروقات وتقف لها بالمرصاد، ونتيجة المواجهة الحتمية التي خلقتها وسائل الحياة أصبح رأس الكاتب هو الثمن لأي محاولة يقوم بها في هذا الصدد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.