نصيف فلك: بعض الروايات ترسم اللحظة التاريخية العراقية ولكن بوجه زماني واحد  

 المراقب العراقي/القسم الثقافي…

يكتب الشعر والقصة والرواية والمذكرات، بلغة تسهم بشكل واضح في تميز أسلوبه ، المفردة يطوعها لإيصال فكرته بشكل دقيق حتى يضطر في مواضع إلى أن يستخدم المفردة العامية المتداولة على أدنى مستوى التداول ، تتواصل حفرياته إلى أماكن غير مرئية من الواقع المعاش .. انه القاص نصيف فلك الذي التقه (المراقب العراقي) عبر الحوار التالي:

*هل تمكنت الرواية العراقية من رصد الواقع وتجسيده من خلال الإمساك باللحظة التاريخية؟

_ استطاعت بعض الروايات رسم اللحظة التاريخية العراقية ولكن بوجه زماني واحد وليس بكافة وجوهه فالزمان هو الآخر له أبعاد مثل المكان تماما خاصة عندما يتداخل مع النسيج السردي وأتذكر هنا رواية(القلعة الخامسة) لفاضل العزاوي التي سبحت بعكس تيار الزمن الثقافي السائد وسخرت من صرامته وتزمته ما جعل الكثير يقفون ضدها أو يتجاهلونها. وكذلك رواية(امرأة القارورة) لسليم مطر ورواية(وليمة لأعشاب البحر) لحيدر حيدر فهي تتمتع بهوية عراقية مثل هوية رواية(الشرق المتوسط) لعبد الرحمن منيف ورواية (صيادون في شارع ضيق) لجبرا إبراهيم جبرا. لكن جميع الأعمال السردية في حقبة البعث وخاصة بعد تولي صدام السلطة انحدرت إلى الرمزية والإشارات والطلاسم والاستعارات خوفا من سيف الرقيب، والمخجل حقا هو عدم كتابة أي رواية تمسك اللحظة التاريخية وترسم القمع طوال خمس وثلاثين سنة، بينما نقرأ الكثير عن الروايات السرية التي كتبها أصحابها في زمن النازية والفاشية والستار الحديدي الاستاليني ودكتاتورية فرانكو، لا تزال متوهجة مقرؤة لحد الآن.

فن الرواية هو الحقل الوحيد الذي يتحمل عبء المجازفة من دون جميع حقول الأدب والفن في الصراع مع التاريخ، وهو الوحيد من يمتلك فعل المغامرة في الدخول إلى دهاليز وكواليس التاريخ، ويبدأ بفتح الأبواب السرية وكشف عمليات التزوير الهائلة وفضح محاولات طمر حياة زاخرة كونها تخالف سيرة المدون من خلال العثور على وثائق تدحض التاريخ الرسمي المكتوب بيد المؤرخ الشرطي أو المؤرخ المرتزق. هنا تتجسد طاقة السرد في الرواية وهي تحاول زعزعة اليقين الصارم لدى عامة الناس في كون التاريخ مقدس والماضي حق لا يدخله الباطل. فتسرد الرواية تاريخا مغايرا يختلف ويتناقض مع خط التاريخ الرسمي العام الذي يدرسونه في المدارس والجامعات.

* أيمكن القول بأن هناك تيارا سرديا يتشكل من خلال بعض الروايات التي صدرت في المرحلة الأخيرة وكيف ترى تأثيره على الرواية العراقية بشكل عام؟

_ لم يبرز عندنا أسم ينافس نجيب محفوظ وماركيز وخليل الخوري واورهان باموك وكونديرا،وهؤلاء جميعهم من بلدان تشبه العراق من نواحي عديدة ما عدا قسوة وجهل النظام السياسي الذي حكم العراق لأربعة عقود ظلامية أنتج فيها روايات هابطة وتافهة مثل رواية(الأيام الطويلة)، ولكن عندنا أسماء مهمة خانها الرواج والانتشار في الأسواق الثقافية مثل الروائي الراحل فؤاد التكرلي. المشكلة عندنا تتركز في عدم وجود آباء روائيين للأجيال القادمة وعدم وجود مكتبة سردية يمكنها أن تشكل رحما لولادة روائيين جدد.

*كيف تناول النقد روايتيك وما الدرس الكبير الذي قدموه لك وللقراء؟

_ النقد غير موجود في حياتنا الثقافية فكثير من الروايات تصدر وتنسى و(النقاد) نيام في سابع (نومه) حتى لم يجر التعريف بها ولا بكاتبها ومن أين صدرت وفي أي زمان. هناك سياقات ثقافية في المدن الحضارية يتم فيها نشر خبر ثقافي عن الرواية ومختصر بسيط عن أحداثها ضمن اطر ترغيب القراء من أجل شراءها أو استعارتها، ثم يأتي دور النقاد الذين يشعلون نار شهوة القراءة سواء كانت تستحق أو لا فربما رأي القارئ يختلف عن الناقد، وهذا الكلام يقوله الناقد نفسه  ولقد كتبوا كثيرا عن رواية(خضر قد والعصر الزيتوني) حتى إن هذه الكتابات يمكنها أن تشكل كتابا كاملا، لكن معظمها لا يمكن عده ضمن حقول النقد فهو قراءات وانطباعات ورؤى تحمل حب الرواية وتقديرا لها.

* تجربتك الكتابية حافلة بالتنوع في حقول القصة القصيرة والشعر والرواية ثم الصحافة، أيهم اقرب إلى نفسك؟

_ بدأت بكتابة القصة القصيرة لكن الشعر سرقني لأن ثقافة مجتمعنا شعرية يخضع لها الجميع بشكل طوعي وكأن النثر لا قيمة له ويأتي بعد الشعر بدرجات كثيرة. وكم أشعر بالأسف على ضياع موهبتي السردية كل هذه السنوات الطوال التي أرهقتها في كتابة القصائد الشعرية، كم رواية قتلت في نفسي وحولتها إلى جثث شعرية، لم أكن أعرف آنذاك إن الشعر لا يعول عليه في أغناء ثقافة المجتمع وفي تقديم شهادة للعصر وكتابة تاريخ سري يفضح التاريخ الرسمي مع رفد المكتبة السردية الفقيرة بكتب تراوغ الموت الجماعي، وهي في النهاية تصوير حياة الناس وهمومهم وقذارة اللعبة السياسية وكيف كان الفرد المسكين يعيش ويموت وهو لا يدري بأنه ذات وجودية تحمل مسؤولية الكون على عاتقها. كان الإنسان يعشق الحياة لكنه يموت مثل ميتة الكلاب التي هي أيضا تحسد حياة كلاب الغرب. المهم تنبهت أخيرا وعوضت شيئا مما فات فكتبت رواية( خضر “قد” والعصر الزيتوني) ورواية(عين الدود) ومجموعة قصصية بعنوان(لحية اللقلق) مع كتب سردية وأخرى شعرية قديمة ومقالات كثيرة منذ سقوط البعث، و(الرقيب الجاهل)  في حقبة صدام الذي أدخلنا في عصر أكلة لحوم البشر. لكن الصحافة مهنة شاقة وتتلف في مشغلها كل مشاريع السرد، أنها تنور لا تخمد ناره، الصحافة حريق أزلي للذات الإبداعية واستهلاك للعقل وللروح، استهلاك جائر لا يشبع ولا يقنع، لكنها مع كل ذلك تبقى فاتنة الغواية ومهنة ممتعة وخطرة مثل سرقة جنة من النار.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.