“الدين والاغتراب الميتافيزيقي” الإيمان مفتاح السلام بين الأديان

المراقب العراقي/ متابعة…

في كتابه الأخير “الدين والاغتراب الميتافيزيقي” يكشف عبدالجبار الرفاعي عن جدل الايمان والاعتقاد وصلته العضوية بالحرية والعبودية في الحياة، بعيدًا عن متاهات المتكلمين، فينسج نسيجه الشاعري ذا البُعد الروحي حول الإيمان، وينثر أفكاره وتأمُّلاته الدينية والأخلاقية قبل أن يتوحّد معرفيا ووجدانيا مع مفهوم الإيمان وحقيقته، مستلهِمًا مباهجه الرُّوحية التي ما إن تستقرّ في القلب، وتأوي إلى الروح، فإنها تختزن فيهما، وتنطلق كنور يكشف للإنسان معنى وجوده، لذلك لم يجد الرفاعي مناصًا من وصف الإيمان بأنه “حالة ديناميكية حية”؛ فهو ليس فكرة أو معرفة أو معلومة، لكنه حالة روحية يتذوقها الوجدان، أو هو جذوة متوهجة، كأنها طاقة مُشعّة.

معنى الإيمان وعلاقته بالحُب

  الجذر اللغوي للإيمان هو الفعل الماضي (أمِن)، والأمن نقيض الخوف، والرعب، والرّوْع، والفزَع، والرجل الأمين هو الرجل الثقة، الحافظ، والإيمان لغة هو التصديق القلبي، بخلاف الإسلام الذي هو إذعان واستسلام من دون تصديق بالقلب، ما يعني أنّ الجِذر اللغوي (أمِن) إنما يدور حول معاني: الأمان والطمأنينة والسكينة والراحة النفسية والسكون القلبي، وهو ما أدركه الدكتور الرفاعي عندما تناول، باختصار، مبحث الإيمان والاعتقاد، كأحد مباحث كتابه الأخير: (الدين والاغتراب الميتافيزيقي)، رابطا بين الإيمان والروح من جهة، وبين الإيمان والحب من جهة أخرى؛ فالروح لأنها وديعة الله وسرّه عند الإنسان، فإن الإيمان يفيض عليها طاقةً ملهِمة، فيتبادلان السكن والارتواء؛ “ذلك أن الإيمان عودة الروح إلى أصلها الإلهي، أودَع الله لدى كل إنسان روحا منه”، وهذه الروح/ الوديعة تغيب متى غاب الإنسان عن الله، ولا يستردها إلا الإيمان.

  وأما الربط بين الإيمان والحب، فيفسره انبثاق كليهما من أصل واحد، فلا إيمانَ دون حُب ولا حُبَّ دون إيمان، فكلاهما في “صيرورة، وتفاعُل، وفوَران”، وكلاهما مؤثر في الآخر؛ فالإيمان عندما يقوَى فإن الحب يقوى كذلك تبعا له، والعكس صحيح، فالإيمان – إذن – جذوة حُب متوهجة، لذلك كان منبعه القلب، ومن لوازمه: الأمن، والثقة، والطمأنينة، والسلام، وكل معاني الراحة والسكون والسلام.

   يبدو عبد الجبار الرفاعي، وهو يناقش معنى الإيمان، شاعرًا أو متصوفا حالمًا، لكنه مع ذلك يستطيع أن يجعل  من كلماته وتحليلاته اللغوية والنفسية لمعنى الإيمان ،ذات قيمة علمية ونفسية عظيمة، بل ذات قيمة فلسفية تغترف اغترافا من الدين، بوصفه حالة رُوحية أخلاقية، قبل أن يكون حالة جامدة من الأحكام والأوامر والنواهي، واللاهوت المغرِق في الميتافيزيقا واللاعقل، فالرفاعي يجعل الإيمان- وفق فهمه ووعيه الذاتي– مفتاح السلام بين الأديان، وبوابة العبور إلى فضاءات الحرية والحب والخير والجمال، وتجلياتها في كلمات الله التدوينية (القرآن والكتب السماوية)، والتكوينية (الكون ومظاهره)، فالإيمان عنده “هو الحضور في حضرة الله، والإصغاء لنداء القلب، والإحساس بوجوده، مثلما يحس الإنسان بالبهجة في داخله“.

الاعتقاد مفهوم ساكن والايمان حالة تنبض بالحياة   وإذا كان الإيمان مفهوم ديناميكي يتطوّر وينمو ويتفاعل، فإن الاعتقاد مفهوم ميكانيكي جامد، ثاو في الذهن، مفرَّغ من كلّ نبض وحياة؛ لذلك لا يتحول الاعتقادُ إلى حب، كما أن الحب لا يتحول إلى اعتقاد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.