ترامب في ميزان السياسة الدولية

إيهاب شوقي

 

لا يشترط التأريخ على الداخلين به جوازا أخلاقيا محددا، حيث لا يقتصر على الشخصيات العظيمة والمثالية، فهناك شخصيات دخلت التاريخ من باب الطغيان والقتل واللصوصية، كما دخلت شخصيات أخرى من باب التندر  وغرابة الأطوار.

ولا شك ان الحكم على الشخصيات يكون دوما مرتبطا بعصرها وادبياته وقواعده، كي يكون الحكم دقيقا وعادلا، وفي المجمل العام، تكون ابرز شخصيات التاريخ هي  الشخصيات التي محضت الشرف والبطولة محضا، أو تلك التي محضت الطغيان والخسة محضا.

ولأن طبيعة اللحظة الراهنة تشهد مفصلا تاريخيا هاما، فإن هناك شخصية من المؤكد دخولها التاريخ، ونرى هناك ضرورة لتحليلها في ميزان السياسة الدولية، لان هناك حربا فرضت على الاحرار، ومن الواجب الاجتهاد في تحليل عدوهم بشكل دقيق، لتحديد الطرق الناجحة في التعاطي معه.

بالطبع هذه الشخصية هي الرئيس الامريكي دونالد ترامب، والذي يشتهر بين المحللين بأنه التاجر، ولكننا نرى الامر بحاجة الى توسيع دائرة التحليل، طالما تطورت الامور لتصل الى حرب صريحة تقودها هذه الشخصية ضد محور المقاومة.

وقبل البدء في هذا الاجتهاد التحليلي، ينبغي القول، ان بلد مثل الولايات المتحدة الامريكية، لا يمكن ان تختزل في شخص، ولا يمكن ان يقودها فرد، بل ما يقودها هو  محصلة لمجمل مصالحها السياسية والاقتصادية التي تبلورها مؤسسات المال والسلاح في مرحلة بعينها، وتبحث عن الشخص الذي يتمتع بإمكانية تجسيدها، اي تشخيص المصالح وفقا للتوازنات واختيار من يعبر عنها او يمثلها.

 

ويشكل هذا مدخلا هاما في تحليل شخصية ترامب ووضع تصور للطريقة الانسب للتعاطي معه، وبالتالي التعاطي مع امريكا.

وبتوصيف مختصر للمرحلة التي وصل فيها ترامب لسدة الحكم في امريكا، فيمكن القول باختصار، انها لحظة شهدت تراجعا مخيفا للامبراطورية الامريكية، وتآكلا لقوتها الناعمة، من حيث النزول من عرش الاحادية القطبية الى بوادر تعددية  قطبية، ومن حيث فقدان المميزات الحصرية التكنولوجية، ناهيك عن التراجع المزعج في التجارة الدولية، الى جانب تهديد تمركزاتها الاستراتيجية في مناطق تشكل بؤرا مركزية لاستراتيجية امريكية ثابتة  تتوارد عليها سياسات مختلفة، وهي الاستراتيجية الاوراسية وما لحق بها من تهديدات بفعل تنامي القوة الصينية والكورية الشمالية والروسية.

من هنا جاء ترامب ليعيد عقارب الساعة الدولية الى الوراء كمحاولة لاستعادة المكانة الامريكية، وهنا يمكننا رصد اربع علامات هامة، وهي:

1ـ الارتداد الى مدرسة الواقعية القديمة في السياسة.2ـ العودة الى سياسات الثنائية القطبية التقليدية.3ـ العبث بميزان الردع الفعال.4ـ عرقلة معالجة الأزمات بالقضاء على التحالفات المرنة.ويمكننا هنا شرح هذه العلامات باختصار كبير.

اولا: هناك مدرسة واقعية حلت محل المدارس المثالية في السياسة الدولية منذ بدايات القرن العشرين، وتبعتها مدرسة واقعية جديدة، ويعد هانس مورجنتو أكثر منظري المدرسة الواقعية وضوحا، وهو من أكد أن السياسات الدولية عبارة عن عملية لتسوية المصالح القومية المختلفة التي تفترض صراعا مستمرا وتهديدا مستمرا بالحرب، ويستخدم العمل الدبلوماسي للمساهمة في تقليل احتمالاته من خلال التسوية المستمرة للمصالح المتعارضة.

والمراقب لترامب، يرى اهمالا لمفهوم الشرعية لديه، حيث يكسر كل الاطر القانونية ويضرب بالقرارات الدولية عرض الحائط، وهي ردة واضحة للواقعية القديمة والتي تجاوزها العالم، على الأقل، منذ انشاء الامم المتحدة.

ثانيا: في المرحلة التي شهدت بزوغا لتعددية قطبية، نجح هنري كيسنجر في وصف دقيق للنظام الدولي بها، حيث قال انه يتسم بالثنائية القطبية على المستوى العسكري الاستراتيجي وبالتعددية القطبية على المستوى السياسي والاقتصادي.

بينما يحاول ترامب كسر هذه التعددية عبر افشال الاتحاد الاوربي وتهديد التجارة العالمية، وبالتالي العودة الى نمط الثنائية القطبية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، مع عودة واضحة للحرب الباردة.

ثالثا: في العلوم العسكرية، فإن ميزان القوى العام، يشمل الميزان النووي والميزان التقليدي، ويشمل الميزان النووي بدوره الميزان الاستراتيجي الذي يقوم على احتساب الاسلحة النووية البعيدة المدى او العابرة للقارات “المسرح الكوني”، ويشمل أيضا الميزان التكتيكي الذي يقوم على احتساب الأسلحة النووية المتوسطة المدى أو “المسرح الإقليمي”، حيث يشكل الردع المفهوم الأساسي في النظام الجديد.

والردع الفعال هنا، هو التوازن الكوني والاقليمي، والذي نرى تخريبا له من قبل ترامب، وخرقا للمعاهدات الاستراتيجية مع الروس، وحصارا للمشروعات النووية الاخرى مثل كوريا الشمالية، وكذلك ايران رغم اعلانها عدم الشروع في تصنيع قنابل نووية.

رابعاً: هناك نظام للتحالفات المرنة والتي تشهد مرونة لبعض القوى والدول بالتأرجح بين المعسكرات المتباينة، وهو ما يسمح لها بلعب ادوار لتخفيف الازمات الدولية، بينما يرمي ترامب لكسر هذه المرونة والعمل بمنطق “من ليس معنا فهو علينا”، وهو ما يضع الازمات المختلفة على حافة الهاوية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.