Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

محمد غازي الأخرس: المثقف انعزل عن الجميع فضاعت عليه فرصة تحسس نبض الشارع

  المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

بجزالة ورشاقة، ومثل منُقب خرج توًا من طريق ضيق، طريقُ حزين ومتعب أخذ من حياته فصولًا طويلة مفتشًا فيه عن ذوات العراقيين وطبائعهم، مثقفيهم و”مكاريدهم”، أغانيهم وحزنهم وشعرهم؛ يأخذنا الكاتب والمؤلف محمد غازي الأخرس عبر حوار مع (المراقب العراقي) في رحلة “جريئة” لمواجهة الذات العراقية وفرادتها التي لم يكُتب عنها إلاّ على نحو عابر، ليقدم لنا أجوبة تنفض الغبار عن الأسئلة “الأكثر إلحاحًا”، أجوبة تجرحنا وأخرى تسعدنا، كما يخبرنا ببعض أسرار ما خبأه في “دفاتره العتيقة“.

مالذي يميز المثقفين العراقيين عن سواهم من الآخرين؟

المثقفون العراقيون فئة ظهرت منذ قرن أو أكثر، وما يميزهم عن سواهم من الفئات أنهم يتقدمونها، لهذا يسمونهم “الطليعة”، وهذا متأتِ من افتراض أنهم يختصرون عصرهم وآلام مجتمعهم وأحلامه، غضبه إذا غضب وثورته إذا ثار. في البدء أطلقوا عليهم الأفندية، وهم أولئك الذين تخرجوا من المدارس وارتادوا المقاهي، الذين اعتادوا قراءة الصحف وإيصال ما فيها للآخرين. هذه هي مزيتهم التي يفترض بهم أن يحوزوها، تقدم الجموع وقيادتها للتنوير، مع هذا فإنهم انفصلوا عن الناس وتعالوا عليهم. حملوا فانوس التنوير وبحملهم له باتوا يعاملون الناس كالعميان. شيء غريب لكنه أصبح واقعًا لا يمكن نكرانه، والعلة تكمن في كونهم صاروا يحتقرون الفئات الأخرى ويعدون أنفسهم “أرفع” من الجميع. هذه الخصائص تتفاوت من جيل لآخر، فهي مع جيل المثقفين الرواد تكاد تختفي، لكنها تزداد قوة وظهورًا وصولًا إلى هذه الأيام، والنتيجة أن المثقف انعزل عن الجميع وبانعزاله ضاعت عليه فرصة تحسس النبض الحقيقي للشارع.

إذا سألك أجنبي عن “شخصية العراقي”، كيف تختصر وصفه؟

العراقي غريب الأطوار، شخصيته متطرفة “يفرط في شحّه والغنى”. حين يعشق يموت دون حبيبته، وحين يغضب سرعان ما ينقلب إلى وحش. إذا صفا خاطره صار نبعًا رقراقًا، وإذا تكدّرت نفسه تحول إلى صحراء قاحلة. العراقي حزين لكنه عاشق للحياة بنفس الوقت. صانع للطغاة ومدمّر لهم. متعال نرجسي، ومع هذا يزدري نفسه ويستهين بقدراته. لهذا يجلد ذاته ويطيح بها أمام المرآة. شجاع حد الجنون إذا آمن بقضيته، غير أنه مستعد لتسليم البلد للغزاة إذا كان ناقمًا على السلطة التي تحكمه. نسيج وحده، عميق وطريف، مملوح ومبدع، بيد أنه سرعان ما ينقلب إلى نقيض هذا كله في لحظة تحيّر في تفسيرها.

 

في “خريف المثقف العراقي” تطرقت إلى محور الهوية العراقية والصراع حولها في أكثر من حقبة.. ما الذي يكشفه هذا الصراع، وما خصوصيته؟

الهوية العراقية أكبر مشكلة واجهت أجدادنا وآبائنا وتواجهنا الآن. بدأ المأزق عندما انفصلنا عن العثمانيين ووجدنا أنفسنا مضطرين لمعرفة من نحن. الساسة والمثقفون لعبوا دورًا أساسيًا في صنع المعضلة منذ العشرينيات، ومع الزمن تعمق المأزق حتى وصلنا إلى لحظة الاحتراب الداخلي وضياع البوصلة. في البدء، انقسمنا إلى عراقويين وعروبيين، ثم اقتتلنا ثقافيًا بين ضفة اليسارية والقومية، ثم بين العسكر والمدنيين، وصولًا إلى تفجر الصراع بين المتريفين والمتمدنين. وفي نهاية المطاف وجدنا أنفسنا نقتتل بالأيدي والأسنان طائفيًا ودينيًا وعرقيًا. من هو العراقي؟ أهو اليساري أم القومي؟ أهو المطبل للطاغية أم المترنم بالديمقراطية؟ الشيعي أم السني؟ الكردي أم العربي أم التركماني؟ والخ. هذا المنطق من الصراع تجسد أكثر ما تجسد في الثقافة، وقبل “خريف المثقف”، ثمة “ربيع المثقف” و”جحيم المثقف”، وكلها مراحل مررنا بها بحثًا عن هويتنا. هل سنعثر عليها؟ لا أدري.

وأنت تطالع نصوص الشعراء والكتاب والمثقفين في “فيسبوك”.. مالذي يكتشفه أبو الطيب من نوازع خفية للشر والعنف والكره والطائفية؟

الأمر عجيب حقًا، إنني أراهم وألمسهم وأوشك أن أحترق بنارهم وأصيح آه من لدغهم بعضهم بعضًا. هذه ظاهرة تستحق وقفات، فرغم فوائد “فيسبوك” التي لا تعد، ثمة ضرر نفسي يطال من يدمن عليه، وهو تأثره بمقدار الكراهية الكبير المنبث من بعض رواده، بل لنقل الكثير منهم. إنهم عنيفون لفظيًا، طائفيون مرعبون، يكرهون حتى أنفسهم ولو لم يجدوا أحدًا يصيبونه بسهامهم لصوبوها لقلوبهم. أعتقد من جهتي أن “فيسبوك” أسهم في إنعاش نوازع الشر التي كانت تبحث عن قناة تظهر بها، وهو يبدو مناسبًا تمامًا لشخصيتنا الاجتماعية الميالة إلى الطعن في الظهر وإظهار العيوب وتحويل ما هو ثقافي إلى شخصي.

لو أراد أبو الطيب أن يخبرنا بجرأة عن الذات العراقية ومكنوناتها كما في “دفاتر خردة كروش”، ما الذي سيخرجه من “دفاتره العتيقة” ليقول لنا مالم يقله من قبل؟

هناك الكثير مما لم يقل ولا يمكن اختصاره بدفتر أو دفاتر. الذات العراقية بئر من الأسرار كلما حفرت فيها اكتشفت المزيد، ولو كان بيدي لدرت في البيوت لأدون حكايا الناس ومن ثم استخلص منها الخصائص الاجتماعية وسيكولوجيا الذات المقهورة بنسختها العراقية. أتمنى ذلك وأعمل عليه جزئيًا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.