“سلاما أيها الغيم” تفاصيل دقيقة بلغة أقرب إلى الشعر

المراقب العراقي/ متابعة…

أطلق الأديب المغربي قطب الريسوني على مؤلَّفه الجديد «سلاما أيها الغيم» من حيث التجنيسُ توصيف: «كتابات شذرية». وهذا الضرب من الكتابة ــ مثلما يُجمع على ذلك العديدُ من الدارسين والنقاد ـ يقوم على عناصر عدة من بينها: الاختزال، التكثيف، الإدهاش، الإيماض (من الومضة)، المجاز، التناص، الاقتصاد في الوصف، إلخ.

والكتابة الشذرية ـ كما يرى جميل حمداوي في كتابه «الكتابة الشذرية عند النفري»، تقوم على عدم الانتظام وعدم الاكتمال والانتهاء. ومن ثم، فهي تخلو من التتابع والتسلسل والترابط والانسجام المنطقي. الكتابة الشذرية عادة قديمة تعود إلى الفلاسفة اليونانيين، ونجد لها أيضا جذورا في ثقافتنا العربية الإسلامية مع المتصوفة المسلمين أمثال: ابن عربي، والحلاج، والنفري والبسطامي.. إلا أن الشعرية العربية القديمة لم تهتم بهذه الكتابة إلا تهميشا وإقصاء ونفيا، بالإضافة إلى موقف الفقهاء من التصوف بصفة عامة، والتصوف الفلسفي بصفة خاصة، كما يذهب إلى ذلك حمداوي.

الشذرة، بتعبير الناقد الألماني فريدريك شليغل، فنّ يخاطب المستقبل والأجيال القادمة. الكتابة الشذرية كتابة التفسخ والتفكك، والاختلاف والثورة على المقاييس المنطقية الصارمة، والتحلل من قواعد النسق الفلسفي المحدد، وبالتالي الاقتضاب والتكثيف.

تفصح النصوص عن موقف محدد للكاتب من قضايا وإشكالات مختلفة، بنوع من المفارقة والسخرية من هنا، وفي ضوء هذه الخلفية النظرية، ألاحظ أن الأديب قطب الريسوني يميل في كتابه «سلاما أيها الغيم» إلى التقاط التفاصيل الدقيقة والتركيز عليها، بلغة شفافة، هي أقرب إلى الشعر منها إلى النثر. وأكاد أجزم بأن هذا الكتابَ هو أساسا احتفاءٌ باللغة العربية المنحوتة بإتقان ودقة، وبدون حشو أو زيادة؛ حتى غَدَا أشبه ما يكون ببستان ذي زهور تتضوّع عطرًا، من خلال التعبيرات والصور البلاغية ذات النفس الشعري الآسر؛ لاسيما وأن الأديب يمتح من قاموس الطبيعة الشيء الكثير: الأشجار والطيور والحمام والبحر والمطر وغيرها. بالتوقف عند عتبة الكتاب، العنوان، نجد أن الغيم الذي يبثه الأديب قطب الريسوني سلامه وأشجانه وأشواقه هو ـ هنا ـ رديف للخصوبة والعطاء الوفير، خاصة أن ثمة موضوع مهيمن على الكتاب بشكل ظاهر أحيانا ومضمر أحيانا أخرى، هو موضوع الأمل؛ رغم بعض لحظات الانكسار والتشاؤم المبثوثة هنا وهناك.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.