سرود الاستعادة وذاكرة البطل الثقافي

 علي حسن الفواز

استعادة غالب هلسا تستدعي معها إثارة أسئلة الأفكار، وسرديات البطولة المخذولة، إذ لا ينفك بطله السردي المُقنَّع بقناع «المثقف العربي» أن يتورط فيها، أو أن يبحث عن مفاتيح لها، أو ربما يظل يعيش انسداداتها وسخريتها أو رعبها الوجودي والواقعي، فما حدث في الوقائع العربية لا ينفصل عما يحدث الآن، وهو جوهر فكرة الاستعادة..

ما كتبه غالب أو ما عاشه، أو ما فكّر فيه ليس بعيدا عن السياسة والأدلجة وأفكارهما، ولا عن التاريخ، أو الذاكرة، فهو يدرك جيدا أن الكتابة بعيدا عن النضال الاجتماعي والسياسي ستغدو محض «تخاريف»، كما أن النضال بدون وعي أو بدون خطاب أو رؤية سيكون نوعا من العبث بالمصائر، وهو ما عاشه فعلا، وما كتب فيه كثيرا عن بيروت أو عن بغداد، أو عن القاهرة، أو عن فلسطين، فهذه الأماكن/ المدن المسحورة والمسكونة بأشباح المطرودين والحالمين تُمثّل له العتبات النصية، التي ترهص بالحكاية وبالوجع، مثلما تستشرف جوهر السؤال الأنطولوجي عن سرائر ما هو خفي في المكان العربي، الذي يظل مكانا مهددا، رغم سحره بالاغتراب والحرب، وبالحكومات، والعزلة التي تعني النفي والخواء واللاجدوى، وبرياح الخماسين تلك التي قد تشبه عصف الاختناق السياسي.

لعبة القلق في روايات غالب هلسا هي التوصيف الأقرب لسردنة اغترابه الدائم، عن المكان، وعن الهوية، وعن الذات، وبوصف هذا الاغتراب أيضا مجالا فكريا وفلسفيا لمقاربة نظرته للعالم ولعزلته عن «الأمكنة الحميمة» فهو لا يرى العالم إلا بوصفه فضاء للصراع، ومجالا لمعرفة القوة التي يمكن أن يملكها الإنسان الرائي عبر الأفكار، ومجالا سجاليا لمعرفة الآخر، بوصفه الأيديولوجي، أو الكولونيالي، أو الشرير أو المحتل أو المستبد، وهي توصيفات جعلته أكثر تساؤلا وحذرا وخوفا، وأكثر استعدادا للمواجهة وللطرد في آنٍ معا، إذ عاش رهاب العزل والسخرية، والبحث في المدن المحكومة بـ«الهؤلاء» على حدّ قول مجيد طوبيا.

رهاب المدن المُستبَدة، هو الوجه الآخر لرعبه الشخصي، ولأسئلة وعيه «الشقي» ولرغبته في الكتابة عنها، ليس بوصفها مدنا تاريخية أو سياسية، أو أنثروبولوجية، بل بوصفها مدنا تضيق فيها التفاصيل، وتتسع فيها الرمزية الفائقة للرصيف والمقهى والغرفة والملجأ والحانة، وهو ما عاشه فعلا من نقائض في يوميات مدن كبرى مثل بغداد، والقاهرة، وعند متاريس الحرب في بيروت التي عاشت رعب الاجتياح الإسرائيلي بتفاصيله الدامية والطاردة، مثلما عاش معها وفيها الحلم والهزيمة والرحيل. سرديات المدن هي سرديات البحث عن ما تحمله الرموز من تفاصيل ضدية، ومن علائق حميمة انغمرت فيها شخصياته، وهي تواجه فوبيا السلطة، ووحشة الاغتراب، واستلابات الرعب الدوستوبي في المدينة العربية، تلك التي تطارد المثقف الملعون، وتوهمه بالخوف اليساري، والتوحش الأيديولوجي.

المكان اليومي في سرديات هلسا هو المكان السياسي والمكان النفسي ذاته بتفاصيله وحميميته وشواظه، والزمان هو زمن الصراعات والتحولات والهزائم والشعارات والاجتياحات ذاته، كما أنّ الاحداث التي اصطنع سردياتها في المكان/ المدينة لم تكن بعيدة عن ذاكرة الثوري والحزبي والمثقف.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.