«جرحى الحياة» النفاذ إلى نفسية الشخصيات واستطلاع مقاصدها

 المراقب العراقي/متابعة…

يتضح من خلال العنوان الذي تواتر في النص أن السارد بأر سرده على شريحة من البشر تعرضوا في حياتهم لانكسارات وإحباطات شتى في زهرة عمرهم وميعة شبابهم. وأصيبوا بجراح جسدية ونفسية، ما جعل أداءهم في الحياة ينحصر ويتراجع.

وتتمظهر قدرة الرواية في النفاذ إلى نفسية الشخصيات واستطلاع طواياها ومقاصدها. فعلاوة على سعة بنيات الراوية التي تلتقط تفاصيل الحياة اليومية لهؤلاء الأبطال المكلومين، فهي تستطيع أيضا أن تبين ما يجول في لاوعي هؤلاء. وهذا ما سارت على دربه رواية «جرحى الحياة» وأولته العناية المستحقة، لأن ما خفي من الجبل الجليدي أعظم مما نتوقع.

تمثل «جرحى الحياة» في نظر السارد تراجيديا الوجود ورجاته الموجعة، كاشفة النقاب عن ظواهر اجتماعية ونفسية يكتوي بنارها أبطال الرواية، كما تشخص أسقامهم بالنظر إلى أعداد الجرحى في مجتمع الرواية، كما وصفهم البطل السارد (يقظان) بـ«خريجي البلايا والشقاوات» و«بمتعبي الحياة»، وهم في مجملهم يعانون من أمراض وأزمات نفسية، بين حوادث السير ومشاكل الطلاق والحياة الزوجية الشاقة، أو العشرة النكدة، أو الفراغ الناجم عن التقاعد وموت أحد الأقارب. اهتمت هذه السردية بحال شرائح اجتماعية جريحة، أو مهمشة مقصية عن الفعل تعيش في الظل، أو جنح الدجى، متخبطة في مشاكلها ومعاناتها من دون أن تجد من يعتني بها. ومن خلال الحالات التي أوردها السارد طغت على الرواية موجة من القتامة والتشاؤم لكثرة المصائب التي انثالت تباعا على الشخصيات. فبمجرد أن تنتهي تراجيديا تلوح تباشير أخرى في الأفق. وهكذا دواليك إلى أن انتهت حياة الشخصية الرئيسية بفاجعة، مؤشرة إلى نهاية متوقعة، بسبب اتساع الهوة بين الذات ومطالبها وحاجاتها.

وهكذا يتضح أن رواية «جرحى الحياة» تندرج في إطار سرديات العلة لإبرازها علل المجتمع وأسقامه، وكذا قدرتها على حكي قصة هؤلاء التعساء، واصفة عجزهم عن أداء أدوارهم على النحو المنشود، جراء تفاقم الفساد السياسي والاجتماعي والثقافي، الذي أرغم المثقفين (يقظان نموذجا) على الانسحاب من الحياة العامة والانكفاء على ذواتهم. ورغم كل هذه البلايا التي ألمت بأبطال هذه الرواية، فإن يقظان حاول أن يسترجع توازنه في الحياة، بالبحث عن ذاته الضائعة في الكتابة والمرأة، كبديلين يجسدان فردوسه المفقود.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.