فيلم «جوكر»… السينما كتهديد سياسي

المراقب العراقي/ متابعة…

جوكر فيلم سينمائي أمريكي صنف من الأفلام الإثارة النفسية، أخرجه تود فليبس العام الماضي، طارحاً من خلاله مجموعة من القضايا السياسية، ما سيجعله من الأفلام المثيرة للجدل لمناقشة سياسة القوى الحاكمة، وهذا ما سيدفعنا لطرح مجموعة من الأسئلة من قبيل كيف تعالج السينما بمفهومها الحداثي القضايا السياسية؟ ومتى تصبح السينما تهديدا سياسيا؟

قصة الفيلم

وللإجابة عن هذه التساؤلات لابد من معرفة قصة الفيلم، الذي تدور أحداثه حول شاب يدعى «آرثر» يعمل بهلوانا، يسكن مع أمه في بيت صغير في وضعية مزرية، ليصور المخرج لنا الوضع الصعب الذي كانت تعيش فيه مدينة «جوثام» في مرحلة السبعينيات، كما يعاني «آرثر» من مرض نفسي يجعله يضحك بطريقة هستيرية عندما يشعر بالألم والحزن. إذن كيف سيتحول هذا الشاب الفقير إلى تهديد سياسي على الرغم من عدم انتمائه السياسي؟ هذا السؤال سيجعلنا نبحث عن سبب تحول هذا الشاب إلى قاتل، فالفيلم صور لنا شخصية الشاب «آرثر» الذي طرد من عمله أثر سقوط مسدس من يده وهو يقوم بنشاط للأطفال، وفي هذه الأثناء اتجه «آرثر» إلى القطار للعودة إلى المنزل بخيبة عارمة تمزق قلبه، لخسارة عمله، وفي المكان نفسه سيلتقي بثلاثة شباب، سيسخرون منه لتنكره في زي البهلوان ويضربونه ضربا مبرحا، ويضطر للدفاع عن نفسه بقتلهم جميعا بدون أن يرف له جفن، بهذا السلاح الذي كان سببا في فقدانه عمله، ولكنه تحول إلى وسيلة فعالة للثأر من الذين حاولوا آذيته.

من هنا بدأت رحلة البحث عن المجرم المجهول الهوية المتنكر في زي بهلوان، لتتحول هذه القضية إلى قضية رأي عام، خاصة عندما يقدم المرشح السياسي لمنصب عمدة المدينة المدعو «توماس واين» تعليقا على جريمة القطار في ملتقى صحافي معبرا عن غضبه من المجرم، ووصفه بأنه ينتمي لعامة الناس، الذين يشكلون خطرا على الطبقة الراقية، فبهذا الخطاب العنيف والمتعالي، سيكرس «توماس» نوعا من النزوح الطبقي لدى الشعب الأمريكي ويوضح فوضى الفوارق الاجتماعية، التي تقوم على تعزيز الغني وتحقير الفقير، وإدانته حتى إن كان على حق.ووفق هذا المنحنى التصاعدي، انطلقت رحلة التهديد السياسي المنسوجة خيوطها على غرار خطاب العنف العشوائي «لتوماس واين»، الذي سيشعل حقدا كان مدفونا في غياهب الصمت، ولدته هذه الكلمات، مثل نيران حارقة على مسامع متلقيها وغالبيتهم من الشعب المسحوق اجتماعيا وسياسيا، فكان لابد من رد فعل يندد بالغضب من هذا الرجل السياسي، الذي أهانهم بصوت عال. وكأن نظرية العنف لا تولد سوى العنف، تتحقق بشتى تجلياتها، فأخذت مشروعيتها وتجسدت في الغضب المتسارع بالاحتجاجات وسط المدينة، بشكل يخفي الوجه الحقيقي للمحتجين من خلال ماكياج أو قناع برمز (جوكر)، لإخفاء الملامح الحقيقية في صورة بهلوان، ويشكل الاختفاء في هذا القناع البهلواني أكبر تهديد سياسي على مستوى الممارسة السياسية، لأن هذا الاختفاء لم يأت صدفة ولم يكن بريئا، وإنما يحمل رسالة سياسية ضمنية وسجالية على مستوى رد الفعل الجماهيري، كأن الشعب الذي يحتج يريد أن يجيب عن هذا الخطاب المستفز، بطريقة تدين اختفاء رجل سياسة وراء سلطته ونفوذه، أما المواطن العادي لا حيلة لديه لا يحميه سوى الاختباء وراء هذا القناع البهلواني، لإخفاء هويته أمام السلطة الحاكمة ليحتج ويتمرد أكثر، فالاختباء كان حلا لمعضلة سياسة التقهقر والظلم. وكان سرا وراء نجاح الثورة الشعبية أيضا المتوجة بقتل «توماس واين» وإثارة مشاعر الخوف عند أصحاب السلطة والنفوذ. فعلى الرغم من أن «آرثر» لم يكن منظرا أو مخططا لفكرة هذه الثورة، إلا انه أيدها بقتله لصحافي استهزأ منه أمام الجمهور، وبه سيصير رمزا شعبيا للطبقة المنبوذة، كما أن هناك أفلاما كثيرة تطرقت لشخصية جوكر وصورتها بشكل شرير، جعلت الجمهور يدينها، إلا أن تود فليبس بهذه النسخة صالحنا مع هذه شخصية الشريرة، وجعلها تنتمي لعامة الناس أو بالأحرى للطبقة المظلومة اجتماعيا والمقهورة سياسيا، ما سيبرر جرائمها وانتقامها ويعطيها مشروعية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.