هاشم شفيق: العرب لا يملكون الآن من ثروات يتباهون بها أمام الأمم سوى الآداب  

 

 المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

الشاعر هاشم شفيق واحد من أهم شعراء جيل السبعينات العراقي ومن يتعرف عليه عن قرب سيقف على تلة الشعر الصافي النابع من عمق الإحساس ورقة الجملة الشعرية التي تحيلنا في الكثير من الأحايين إلى عوالم غاية في الروعة والجمال وفي الوقت نفسه سيتلقَى الحزن العميق الذي يخيم في أسئلة الشاعر داخل قصائده المدججة بمآسي الإنسان التي تخللتها فترات مظلمة عبر الاعتقالات والحروب والحصار والموت على حد سواء.

كان لـ(المراقب العراقي) معه هذا الحوار الذي تحدث فيه بصراحة وبصدق .

* هل الثقافة العربية في بدايات القرن الواحد والعشرين في نهوض شامل ، أم في تراجع شامل ، وإذا كانت الحالة سلبية فكيف تفسر الدعوات المستمرة للحداثة والتجريب في قصيدة النثر والرواية أو ما وراء الرواية ؟

 من وجهة نظر خاصة ، العرب لا يملكون الآن من ثروات يتباهون بها أمام الأمم سوى الآداب والفنون  ، سوى الهاجس الثقافي وما عداه تبدو الصورة قاتمة وسديمية ، فثروة النفط هي ثروة عمياء ، لا نعرف كيف تسير والى أين تمضي ومن يقودها وأين تصب وهي في المحصلة ثروة آنية وليست مستقبلية ، بينما الآداب والفنون هي الثروة البعيدة والوحيدة ، الجلية والواضحة والتي تعرف كيف تسير ومن ينتجها ولمن تتوجه في النهاية.

تحت هذا المنظور وفي ظل هذا السياق أني أتحدث عن الأدب الحر ، غير المسيّر ، غير الدعائي ، وأتحدث عن منتجه ذلك المبدع المتنوّر ، غير الخاضع ، المبدع الناقد لواقعه والساعي الى التغيير، تغيير الإنسان نحو الأفضل ، تغيير العقل العربي والفكر والفن وجميع النشاطات الجمالية والإبداعية نحو الجديد والمتنوّر واللامع ، القادرعلى الإكتشاف والإبتكار والتحوّل ، من أجل مضاهاة هذه المنتوجات الإبداعية والعقلية والفكرية والفنية بالصنيع الإنساني الإبداعي للآخر .

*  هل ان مجموعتك قصائد أليفة كانت بمثابة القوة الداعمة لتكملة مشوارك الشعري وتألقك فيه خلال سنوات المنفى الطويلة ؟

لكل شاعر بصمته ، ووسمه ، ودمغته ، التي يسعى الشاعر والمبدع الحقيقي وضعها على نتاجه الجمالي والفني « قصائد أليفة « كانت بالنسبة الي الوسم الذي وسمني حقاً ، ومن هنا ظهرت تسميات كثيرة بهذا الإتجاه ، في ندوات ومقالات ومتابعات ونقود عديدة ،

منذ بدء نشر الديوان أدرجتْ تحت افقه واتخذّتْ من سياقه تسميات مثل « ألفة القصيدة « و « كيمياء الألفة « « الشعر الأليف « القصيدة الأليفة « و « الشاعر الأليف « وغيرها من اشتقاقات تنتسب لأفق هذا الديوان .

* هل وصل الشعر العراقي عند تخوم المعرفة حيث المعرفة احدى الشروط الحديثة من شروط الكتابة الشعرية ؟

  ليس ثمة من وجود لنص أدبي وشعري وحكائي وسردي قد وصل الى تخوم المعرفة فالمعرفة بذاتها هي شيء مطلق ، ليس له حد وقعر وسطح وشكل وإناء ، انها شيء غير مرئي ومحسوس تجسد في عمل ما ، قد يطلق على بعض الأعمال الخالدة كأعمال شكسبير وفلوبير وغوته ودانتي والمتنبي وأبي العلاء والجاحظ وأبي حيان التوحيدي ، تطلق هذه الصفات ولكن من باب التوكيد والإشارة النسبية لبلوغها نوعاً من درجات الكمال وليس بلوغها تخوم المعرفة والإحتياز الكلاني للعلوم الكونية الشاملة وعوداً الى بدء ، ولو افترضنا جدلاً أن الأدب قد وصل الى تخوم المعرفة كما أشرت لانتهى في الحال دوره ، كونه قد أنجز مهمته ورسالته الجمالية ، حيث وصل الى التخوم وأكمل ما أنيط به من دور ، وحقق الكمال المعرفي .الشعر الآن بحاجة الى البساطة الدفينة ، الى سبر الأغوار البشرية ، الى كشف كنه الحياة ، ومعرفة لغز الإنسان في وجوده الدائب على الأرض .

  انت لا ترى العالم إلا من خلال الشعر ، هذا ما اعرفه عنك ، وعندما جاء عام 1979 حيث قمع السلطة آنذاك كنت اول الذين اعلنوا القطيعة مع النظام واخترت المنفى لتشكل معارضة ثقافية ،ولم يكن اختيارك هذا سياسياً بقدر ما كنت شاعراً ، كيف تصف لنا تلك المرحلة التي عصفت بالبلاد ومهدت لحروب وويلات كبيرة مازالت البلاد تئن منها ،وانعكاساتها على تجربتك الشعرية ؟

   الشعر هو ملاذي ، هو مكاني الأليف وناصيتي ايضاً التي يحلو التسكع على جادته الطويلة ، الشعر هو الفطنة ، هو التأمل والحلم والمنطقة الواقعة ما وراء المجاهل وهو ايضاً « ذلك التردد ما بين الصوت والمعنى « كما قال الشاعر الفرنسي بول فاليري وحالتي يمكن وصفها بذلك التردد المتأتي من تلاقح الصوت بالمعنى ، فإذا كان الشعر هو نبع فطنة وشلال هواجس وتيار رؤى ونهر اشارات فالسياسة هي شبكة مصالح ومجموع مؤامرات

وسلسلة انقلابات ، وهي نفق يمر به العاطلون عن العمل والمنتفعون والإنتهازيون والمبشرون بالكوارث والجنرالات والحروب ، وهم قلة واستثنائيون اولئك الذين لا يسعون الى مصالحهم الشخصية ويرون أنها فن الممكن لعمل شيء مفيد لمواطن قابع في محنته اليومية ،حين وقعت الحرب ، كنت خارج العراق ، ولكنني ، كنت أعيش حرب لبنان ، لقد عشت حرباً مزدوجة، واحدة خارج الحدود تمس ضلوعي كون العراق بلادي ، وأخرى تمس القلب كوني في بلد كأنه بلادي ، حربان حملت في داخلي ، واستطعت أن أكتب عن الإثنتين بحس واحد ،

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.