” رأسٌ للإيجار ” الشخصيات تطارد الزمن المستقبلي وتحاول استشرافه  

المراقب العراقي/ متابعة…

بين عنوان مشحون بالضجر ومتن مزدحم بالتفاصيل صيغت قصص مجموعة (رأسٌ للإيجار) بأنامل القاص العراقي (كريم صبح) الذي راح ينثر بغداده بين ثنايا مجموعته فتتمظهر شهورها (تموز بغداد)، وعُملتها المحلية (خمسة آلاف دينار)، ومؤسساتها (طالبته مجلة أدبية عراقية). وظروفها السياسية والاجتماعية، والإقتصادية، و الكثير من ربوع العراق الخطرة منها أو الآمنة (كتكريت، وكركوك، وتازة، ودجلة، والبصرة، والرحمانية)، وبأشباحها الإرهابية الداعشية المتموضعة في فضاءات المضمومة المكانية، والزمنية.

بتياره (الواقعي) وأسلوبه التخييلي الرهيف، والعجائبي المائز، وبموضوعاته التي تدرجت وفي اتساع مطرد من الذاتية للأسرية للمجتمعية للوطنية والقومية بدا (كريم صبح) كمن يسير على صفيح ساخن متعايشاً ببطله المشخصن مع الحاضر ومستشرفاً المستقبل غير قادر على النظر إلى الوراء إلا إلتفاتاً من فرط الملاحقة، فكانت دالة (الزمن) هي الأكثر وضوحاً وحضوراً بتلك المضمومة حيث راح يغير ملامح الشخوص فيضيف إلى أعمارهم سنوات في غضون أسابيع وينزع طفولتهم بين عشية وضحاها، كما ظهرت الشخوص كمن يركض ويركض خلفه الحدث من خلال الجمل والمفردات التي تحمل تلك الدالة حيث نجده يقول في غير موضع: “ما نثرته في وقت، مرور الوقت، على عجالة، تجربة لكل العصور..الخ”.

زمن مستقبلي

تطارد الشخصيات الزمن المستقبلي وتحاول استشرافه مدفوعة بمأساوية الزمن الآني، فنجد الكاتب يقول في غير موضع: “ويطارد التنبؤات، المدى، كتاب ابراج ابتاعه ببقية المبلغ.. الخ)، وتتقلب أحوالها على كل وجه ومن دون استقرار بين الصباح والمساء فيقول: “استشاطت غضباً لأنه غازلها صباحاً، واستشاطت غضباً لأنه اهملها مساءً”، “نهار قائظ، في صباح مثل هذا:استقبله مساؤه بانشراح”، حتى أن الفصول لا تتركه دون أن تضع بصمتها عليه: “مساءات الشتاء، الصيف اللاهب، انقلابهن الربيعي”.

استحضر الكاتب مجموعة من الموتيفات الشخوصية المتنوعة واللافتة التي تعكس تمزق الشخصية العراقية الوسطية وصلبها في المجتمعات المعاصرة بفعل الظروف المتضاربة التي تتجاذبها بين الاتجاه ونقيضه، تبعاً للأهواء المسيطرة لأصحاب السيادة، موتيفات لا تنفع ولا تشكل أي تغيير ملحوظ مثل موتيفة (دون كيخوتي لثيربانتس) فعلى الرغم من صلاحها إلا أنها ضعيفة في مقابل الموتيفة (الميكيافيلية) المستأسدة، وكلاهما موتيفات سائدة بالمجتمعات غير المتوازنة لغياب الموتيفة المتوسطة بينهما، وانسحاقها بين شقي رحى (اليوتوبيا، والديستوبيا) اللتان قد يمثلهما أفراد أو ظروف أو قوى وجودية كما في قصة (افراط)، وموتيفة (جلال) صاحب العقلية الفلسفية والتفكيكية التى تتحول بالأسلبة إلى موتيفة عاجزة معطلة غير منجزة تعاني (الصمم والبكم) وتثور في خرس كما في قصة (نجم)، هذا بالاضافة إلى الشخصيات التى تعاني من (الفوبيا) من ركوب الطائرات كرمز لنوع عام من الفوبيا العربية التي تخشى التحليق كما في قصة (نذير) التي صور فيها المجتمع العربي برمته من الراكب إلى القائد مصاب بتلك الفوبيا المعطلة.

ظهرت وبقوة موتيفة القاص والروائي والصحفي والمفكر الذي يحاول تغيير ذاته، وبيئته ومجتمعه بل والعالم بأسره من خلال كتاباته دون جدوى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.