«التباس الأحاسيس»  سجادة حياة يخلقها الكاتب ويتمادى في توسعة مداها

 المراقب العراقي/ متابعة…

في اللحظة، أي لحظة، تكون الروح هائجة أو هادئة أو غاضبة أو منتشية في الجسد كما البحر في تتبع أجوائه، تتعارك في داخلك وقد تنهشك أو قد تحملك راقصا أو منطرحا أرضا أو مندهشا فاغر فاه من كل ما خلفتها تلك اللحظة فيك، سواء مرت عبر شخص أو منه أو من موقف أو من ذكرى طيف أو من حدث أو صيف حلم عابر.. روحك تغدو شرارة لهب يحرق فيك الجسد أو ينتشله من قبر أو يبعثه راقصا منتشيا، ملتبسة حالتك بأحاسيس روحك في صدى ما ارتد من روح تلك اللحظة.

في روايته «التباس الأحاسيس» يغزل ستيفان زفايغ من الأحاسيس سجادة حياة يخلقها ويتمادى في توسعة مداها مستوعبة كل مفاجئة وكل غموض يعترض أيامها والسبل المتاحة في السير باتجاهها.

شاب وتلبية لرغبة والده في استحصال شهادة دراسية تؤهله إلى مركز ذي قيمة في المجتمع هو مزيج من الحماسة والاندماج في كل ما يمس داخله أو يتوهج في فكره لدرجة تتحكم فيه بكليتها الرغبة أو الغاية أو المغامرة: «إن الحماسة التي كنت أسلم بها نفسي لمغامرات هذا الوجود الجديد، باحثا دوما عن الأحاسيس الجديدة، بدل أن أهتم بدراستي، كانت حقا حماسة المأخوذ المفتون». هكذا يعبر عن البيئة الجديدة التي وصلها للدراسة، وهكذا من خلال هذا الجموح، يعيش الحدث أو الموقف أو الرغبة بشكل يجعله يهرسها كطعام: «أثناء انكبابي على ما أقوم به، أعض بنواجذي بعامة على مشكل واحد، بهمة، حتى أنني لا أتركه إلا بعد أن أشعر في فمي بأشلائه الأخيرة، وبما تبقى من نخاعه»، بهذه الميزة الكامنة في بطل الرواية، التي هي ذو قدر جلل بإعطاء كل حواسه حق ما يقوم به، يبدأ زفايغ بنسج خيوط الروح فيه ليسرد ويحلل ما يلاقي ويمر به الشاب، وكم من الأمور والمواقف التي قد تهزه وتجعله يغوص عميقا في ما يلاقيه، أول هذه الأمور هو الصمت المطبق الذي بدر من والده، كرد فعل على ما وجده فيه من موقف محرج، حين أتى إلى زيارته فجأة، ومغادرة الوالد بدون أن ينبس بأي كلمة وبدون غضب صاخب سوى ما ارتسم على ملامحه لوحة قابلة للهروب من وجهه كإعصار أعادت الشاب إلى نفسه، إلى ميزته الكامنة فيه بإعطائه كل ما يعيشه حقه، وبالتالي إلى دراسته، وأخذها سبيلا في رد الاعتبار لذاته واحترامه لرغبة وشخص والده، بدافع الخجل من صدمة والده مستحكمة فيه: «أحسست بطاقة قوية بفضل إرادتي التي كانت قد مست في جوهرها، مستعدا للتخلي عن كل الرغبة المتدنية القيمة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.