“فراشات هاربة” عالم طفولة الشاعر

  المراقب العراقي/ متابعة…

يُصدِّر عبد الكريم الطبال سيرته الذاتية المعنونة بـ«فراشات هاربة» (منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط – المغرب، ط.1، 2007)، بنصِّ شعريٍّ هو بمثابة (بطاقة) عبور لا تكشف بقدر ما تُعمِّي؛ فهو يشوش إحداثيات الزمان (قبل، بعد)، وينبئ أناه المتلفِّظ أن ما يخطُّه من «رسالة حب» إنّما على «ورق من دخان»، سيكون هو قارئها داخل «كتاب الرماد» كتعبير عن حكمة الخسارة التي اجتازها وسار بها في تحوُّلات التجربة وحرائقها، وكأنّه يطمع في معنى جديد يتحصَّله منها كاتبًا ومُنْكتبًا. تتشكل سيرة الشاعر الذاتية من ثلاثة فصول تمتدُّ من سنة مولده (1931) إلى سنة حصوله على الإجازة والتحاقه بمهنة التعليم، بموازاة مع نيل بلده المغرب استقلاله السياسي (1956). بين التاريخين اللذين يستغرقان ربع قرن من النظر والتأمل والتجربة، تُجسِّد الطفولة بؤرة تلك السيرة ومحرقيّتها الأساسية. يقول عبد الكريم الطبال في مفتتحها: «أحيانًا، أظن أن حياتي انتهت بكليتها وتفاصيلها مع انتهاء الطفولة. فما توالى بعدها من الأيام والسنين إنما هي وقفة على الأطلال والدمن، لأتذكر وأستعيد وأتخيل وأستنتج. وما أعيشه بعدها إنما أعيشه ولست أحياه». إنَّ الطفولة ليس مرحلة ولّتْ، وإنَّما هي كتجربة وجدانية وروحية مستمرّة لم تنقطع في الزمان، بحكم ثرائها وزخم عالمها النفسي ودفق أخيلتها. فالشاعر يستعيدها باستمرار من أجل أن يحياها من جديد.

بلسان الطفل، غائبًا وحاضرًا، ينقلنا الشاعر إلى عالم الطفولة كما عاشه ووقر في وجدانه وتخيَّله شعريًّا؛ فتنثال على الذاكرة من «ماضيه الجميل الضائع» الصور والأحداث والأسماء التي تشعُّ، في جزء رئيس منها، بالغرابة والدهشة. ويحاول أن يعكسها ليس «كما هي»، وإنما كما تفاعلت في نفسه عبر «الاستنجاد بالخيال حتى تظلَّ كما كانت في طبائعها الأصلية الأولى». فقد كتب الشاعر سيرته الذاتية وهو في عقده السابع، ومع ذلك يلمح إلى أنّه ما زال طفلًا يحتفظ بـ«الأصل» وليس بنسخته: «فالطفل الذي هو اللحظة في خريفه لا يزال يتقمص ذاته الغابرة وكأنه لم يفترق عن ذلك الجسد السابق، وكأنه لا يزال إلى حد الآن ذلك الأسمر النحيل في سن الخامسة ملفوفًا في جلباب صوفي قصير على مقاسه، وبرأس حليق كالمرآة يلهو ويلعب في ذلك البيت البعيد القريب في «عقبة السُّوَيْر»». كانت هذه هي العقبة الأولى، وامتحان التجربة الأول ومرقاها إلى سماء الطفل القريبة البعيدة «فيحلم ويحيا كملاك مُجنّح.

 لئن كانت «فراشات هاربة» – بما يوحي به العنوان الدالّ من دلالة المثال أو المطلق أو اللامرئي، الذي يسافر في الزمن ويتأثر بانجذابه إلى الحال أو تحليقه في البعيد والمجهول – هي سيرةٌ ذاتيّةٌ في الظاهر، فإن الشاعر/ الطفل كتبها بخلفيّةٍ شعرية وصوفية، وضمّنها نصوصًا شعرية سيرذاتية وأسرارًا ومحكيّاتٍ شفيفة من تجربة الطفولة.

من هنا، لم تكن قصة الفراشات التي تحدّث عنها عبد الكريم الطبال في سيرته الذاتية مجرد ذريعة فنّية لبناء المحكي وحسب، بل تعلقت أكثر من ذلك بمسألة وجودية تُشخّص تجربة عبور الذات في عالم الأعيان، ورغبتها في الكشف والمكاشفة على حدّ سواء. يقول عبد الكريم الطبال في حوار معه، «إن السرد في السيرة هو سرد عن الفراشات وعن الطفل معًا، وما الفراشات إلا الأيام التي تأتي صباحًا وتذهب مساء، والطفل يفعل فعلها سواء بسواء»  

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.