ادباء : السارد يستطيع تحويل الرواية الى وثيقة تاريخية بكمية الحقائق والوثائق

المراقب العراقي/ القسم الثقافي… 

   من المتعارف عليه ان علاقة السارد والتاريخ محل جدال كبير واختلاف بين الدارسين والنقاد. محل هذا الخلاف يتمحور في مدى اعتبار الرواية وثيقة تاريخية، أو فلنقل مصدرا للتأريخ لمرحلة ما فحول هذا الموضوع استطلعت (المراقب العراقي ) اراء عدد من الكتاب والادباء والذين تباينت آراؤهم بهذا الشأن لكنهم اجمعوا ان السارد يستطيع تحويل الرواية الى وثيقة تاريخية بكمية الحقائق والوثائق فضلا عن كون الخيال ونفسية الكاتب والسياسة تلعب دورا أساسيا في ذلك.

بداية يقول الروائي علي عبد الرحمن الحديثي في تصريح لـ(المراقب العراقي): إن علاقة السارد والتاريخ محل جدال كبير واختلاف بين الدارسين والنقاد. محل هذا الخلاف يتمحور في مدى اعتبار الرواية وثيقة تاريخية، أو فلنقل مصدرا للتأريخ لمرحلة ما. قد لا نجد إشكالا كبيرا في ما يتعلّق بالرواية التاريخية التي تأخذ في مضمونها أحداثا تاريخية مضت، يعتمد فيها السارد على أحداث زمنية تم التأريخ لها، فتكون المراجع التاريخية هي المصدر الذي يعتمده السارد في صياغة أحداث روايته وشخوصها، وإن كان المتخيل فيها ليس بسيطا، لكنه لا يتناقض مع المراجع التاريخية، فالسارد يقدم لك من خلال عمله تصويرا أدبيا لتلك الوقائع والأحداث التاريخية، التي قد لا تكون إلا في متناول يد المؤرخين والمختصين في التاريخ.

وأضاف : ان السارد في مثل هذه الأعمال يلعب دورا مهما في النبش في التاريخ، وتقديمه للقارئ في قالب روائي يستسيغه بعيدا عن كتب التاريخ، التي لا تروق إلا للمختصين والباحثين، وقد تكون الرواية المنجزة في هذا الإطار مادة سينمائية أو مسرحية، لكن في هذا الإطار أيضا ما يخشاه النقاد هو تزوير التاريخ، أو انتقاء مراجع تخدم توجها أيديولوجيا معينا، فكلنا نعلم أن كتابة التاريخ، لا يمكن أن تخلو من التأثيرات الاجتماعية والنفسية والسياسية للكاتب.

وتابع : ان الإشكال قد يطرح بالنسبة للنصوص التي يعتمد فيها السارد على حدث تاريخي لم يعايشه، ليبني عالما من المتخيل، شخوصه من خيال الكاتب ولا علاقة لذلك العالم بحقيقة الوقائع التاريخية، لا يمكن اعتبار هذا الصنف من الأعمال ضمن الروايات التاريخية، وإن كانت أحداثها تصير في مرحلة لم يعايشها السارد. وأعتقد أنه إذا أردت الاطلاع على التاريخ فلا تقرأه في كتب التاريخ المدرسية، أو في دراسات الباحثين فيه، بل اقرأه في إبداعات الشعراء والروائيين والرسامين والسينمائيين والمسرحيين والموسيقيين، ستجد ما أخفته سلطة الحاكم من أوراق الأكاديميين.

وتقول القاصة والروائية أطياف إبراهيم سنيدح في تصريح لـ(المراقب العراقي): ان العصور الأدبية تحققت فيها الحقبة التاريخية مؤثرة بأزمنتها الوقتية والفترة الزمنية، وتأثيرها البالغ بمحتويات الظرف العصري. السارد الروائي يتطبع بالفترة التي يقضي فيها مع روايته، فالرواية تلتزم بمرحلة تاريخية، وإن لم تظهر تلك الفترة واضحة جلية في الحبكة السردية. كثيرة هي الروايات التي تناولت مواضيع تاريخية، مضيفة شخصيات من المتخيل؛ ومخيلة السارد تلعب دورا مبطنا في تكوين الشخصية التاريخية، المنبثقة عن الشخصية الحقيقية؛ لكنها ليست هي عين الحقيقة، بل محاكاة لها بظلال الخيال.

وتابعت : أما الإشكالية التي يقع فيها تصنيف الروايات وأنواع السرد وموقف السارد من طبيعة روايته، فهو بين حقيقة وخيال، من حيث السردية التاريخية (المتوهم والمتخيل والزمن التاريخي) فإن السارد لا يتقيد كثيرا بتلك الحقيقة لكون سرده محكيا تراثيا، يسرد من خلاله حقبة زمنية ما. فالخلط أنه ليست كل رواية تسرد حقبة تاريخية كمتمثل حقيقي لتلك الشخصيات والأزمنة الممتدة، فكثير من الروايات تدخلت فيها طبيعة السارد النفسية، وتمركزت حول ما يريد السارد تجسيده، وما يتمنى أن يحدث، إضافة لذلك فإن وضع لمسات جمالية على بعض الأبطال والشخصيات، ومنحها مساحة كافية مؤثرة، ما هو إلا تحريف لسرد رواية كتصنيفها سردا خياليا يقتبس من فيض التاريخ.

ويرى الكاتب جابر خليفة جابر في تصريح لـ(المراقب العراقي): أن التاريخ يمثل إشكالية معقدة لكل مثقف، وأغلب المبدعين الذين جعلوا من التاريخ مادة للسرد الروائي أو المسرحي أو الشعري، حاولوا استنباط العبر والدروس من الماضي، قبل إعادة الحوادث والشخصيات الميتة، ومهمة المثقف المبدع أن يغترف من التاريخ أعذب وأنقى معانيه، ويتجنب ذلك الغث الهائل من العقد والخلافات والدماء التي تلطخ صفحات التاريخ مع الأسف، لكي لا نظل في الحاضر ندور في حلقة مفرغة من الأخطاء الماضية والأفعال وردود الأفعال والثارات والمآسي، التي يتجرع مرارتها الأبرياء، في صراعات ليست لها بداية أو نهاية عاقلة.

ويؤكد القاص والروائي العراقي زهير كريم في تصريح لـ(المراقب العراقي):  أن الأدب لا يقدم الحقائق، بل يقوم بعملية تفكيك الوقائع، يعرضها، يطرح أسئلة ويشير إلى المواضع المثيرة للشبهة، ويبدو أن هذا أول الأنساق التي تحدد طبيعة العلاقة المضطربة بين الروائي، باعتباره منتجا للنص المتخيل، والمؤرخ مدونا للسردية التاريخية. وهنا، لابد من استحضار بعض الأفكار، وهي في ظني توضح الإشكالية، أو الشبهة. فنحن نفترض أن المشتغل في منطقة السرد التاريخي محكوم كونه يحمل صفة الشاهد، وتترتب على هذه الشهادة شبهة أمام استجواب القارئ، تتعلق بثنائية الصدق والكذب. الروائي يشتغل في منطقة أخرى بعيدة نسبيا عن هذه الثنائية، وهو غير ملزم بأيّ استجواب، حيث أن قصدية إظهار الحقيقة التاريخية ليس من قصديات السرد، الروائي يقدم رؤية لواقعة تاريخية وحسب، ولا يطالب أحدا بتبني متن النص باعتباره حقيقة أو زيفا.

وأضاف : ان هناك سياقا آخرا في الحديث عن سردية التاريخ ، تظهر فيه بالضرورة ثنائيات أخرى: السلطة والمعارضة، المنتصر والمهزوم، أو المتن والهامش، وفي هذه المنطقة تظهر شبهة تتعلق بالمؤرخ، وليس للروائي المنزّه منها، لأن مادة السارد هي الخيال، ومادة المؤرخ هي الواقعة التاريخية، والتي تحضر في تدوينها فكرة الأمانة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.